دراسة.. بحر آرال.. جريمة سوفيتية لا تسقط بالتقادم.. وعالم يتغافل | Eurasia Diary - ednews.net

21 سبتمبر, الاثنين


دراسة.. بحر آرال.. جريمة سوفيتية لا تسقط بالتقادم.. وعالم يتغافل

مركز الأخبار التحليلية A- A A+
كتب- أبوبكر أبوالمجد
 
"بحر-آرال".. إحدى أسوأ الكوارث البيئية على كوكب الأرض.. جريمة سوفيتية متكاملة الأركان تمر عبر الزمان ولم يحاسب عليها من ارتكبها رغم عبور الجريمة حدود آسيا الوسطى، إلى أوروبا.
فالبحر الذي كان يصبّ فيه نهران رئيسيان -- آمو دَريا جنوباً وسير دَريا شمالاً، ويمتد على مساحة 66000 كيلومتر مربّع، ويقدّر الحجم الإجمالي بأكثر من 1000 كيلومتر مكعّب، تحول إلى كارثة ايكولوجية، وتقلصت مساحته بنسبة90%، فبعدما كانت مساحته في ستينيات القرن العشرين تقدر بنحو 68 ألف كيلومتر مربع، تقلصت هذه المساحة إلى العُشر، وصارت الرياح تحمل منه أكثر من 150 مليون طن من الغبار السام لمسافات طويلة عام من قاع بحر آرال الجاف إلى سكان القارتين إلى المنطقة القطبية الشمالية المأهولة بالسكان.
تفاصيل المأساة
كان بحر آرال رابع أكبر بحيرة في العالم - بعد بحر قزوين والبحيرات العظمى في أمريكا الشمالية وبحيرة تشاد – وذلك قبل أن يتقلص، ويقف اليوم على حدود الزوال من خارطة الأرض، بعدما تعرض له من جفاف، وطالت تداعيات هذا الجفاف كلًا من البشر والحيوانات والبيئة حول العالم.
كان واحةٌ في صحراء آسيا الوسطى تغذي جميع المدن المجاورة، ويوفر منطقة غنية بالأسماك ومنتجع كانت ترتع في مياهه 24 نوعًا من الأسماك، يُصاد منها سنويًا نحو 500 ألف طن، اختفى تمامًا نحو 20 نوعًا مع نهاية الثمانينات، ففقد البحر قيمته التجارية وخسر كثير من الصيادين مصدر رزقهم.
علاوة على ذلك، تحولت المساحات الجافة من البحر إلى بؤرة عملاقة لتراكم الأملاح التي ارتفعت نسبتها في مياهه عشر مرات. 
وعندما كان بحر آرال في قمة عافيته، كان مستوى ملوحة مياهه 10 جرامات في اللتر الواحد (ملوحة محيطات العالم على سبيل المثال تتراوح ما بين 33 و37 جراماُ في اللتر الواحد)، أما اليوم، فإن ملوحة آرال تتجاوز 110 جرامات في اللتر الواحد، لذا لا يصلح لعيش الأسماك.
ولم تتوقف الخسائر البيئية عند هذا الحد، إذ أظهرت دراسات علمية مناخية أن نحو 75 مليون طن من غبار الأملاح السامة تحملها الرياح كل عام من القعر الجاف لبحر آرال، فتنتشر غرباً لمسافات غير محدودة، مشكّلة غيومًا من الغبار الملحي السام. 
وقد سُجل ارتفاع بأكثر من مرتين لنسبة الأملاح في مياه الأمطار في السنوات الأخيرة، بضواحي العاصمة الأوزبكية طشقند، وكذلك في جمهوريتا روسيا البيضاء ولاتفيا على بحر البلطيق. 
أما المناطق المحيطة ببحر آرال فقد ارتفعت نسبة أملاح مياه أمطارها سبع مرات. 
كما عُثر على بقايا آثار أملاح مصدرها بحر آرال في المناطق القطبية الجنوبية وفي غرينلاند وغابات النرويج.
كان علماء الكيمياء الأرضية يعتقدون أن قشرة سميكة من كلوريد الصوديوم ستتشكل على سطح بحر آرال مع جفاف مياهه وأنه بالتالي لن تكون ثمة أي عواصف ملحية؛ لكنهم كانوا مخطئين في اعتقادهم هذا، فالغبار الذي تنقله الرياح يحوي، فضلا عن المستويات السامة لكلوريد الصوديوم، قدرًا يسيرًا من المبيدات الحشرية مثل مادة "دي دي تي" ومادة توكسافين ومادة فوزالون، والتي يُعرف عنها كلها أنها مواد مسرطنة. 
وقد تغلغلت هذه المواد الكيميائية بصورة تدريجية في كل مستويات السلسلة الغذائية بالمنطقة، ونتيجة لذلك سجل باحثون وأطباء زيادة مقدارها ثلاثين مرة بأمراض الحمى المعوية في المناطق القريبة من آرال، وازدادت الإصابات بمرض التهاب الكبد الفيروسي سبع مرات، وارتفعت حالات الإصابة بالسرطان بـ25 ضعفًا. 
كما بدأت تنتشر نطاق واسع الأمراضُ التنفسية وأنواع السرطانات والعيوب الخلقية والاضطرابات المناعية وداء السل المقاوم للأدوية المتعددة. ويقدر الخبراء بالإجمال، أن نحو 5 ملايين إنسان يعانون مشاكل صحية بسبب جفاف بحر آرال.
عندما غزا الإسكندر الأكبر منطقة آسيا الوسطى خلال القرن الرابع قبل الميلاد، كان نهرا "آمو داريا" و"سير داريا" شريانا حياة للمنطقة بأكملها، وعبر مئات السنين، كانت مياه بحر آرال العذبة تغذي المستوطنات البشرية الممتدة على طول طريق الحرير الواصل بين الصين وأوروبا.
في ذلك الزمن، شهدت المجتمعات القديمة لقوميات الطاجيك والأوزبك والكازاخ وغيرها ازدهارًا كبيرًا في الزراعة والصيد والرعي والتجارة والحِرف التقليدية.
فإن بحر آرال يقع بين جمهوريتا كازاخستان وأوزبكستان، وكان يصب فيه على مدى آلاف السنين نهران رئيسان هما "آمو دَاريا" و"سير داَريا". وليس لهذا البحر أي منفذ، ولذا فإنه كان يحافظ على مستوى مياهه من خلال توازن طبيعي بين التدفق والتبخر. 
لكن مع بداية عشرينيات القرن الماضي تغير مجرى الأمور بعد أن أصبحت جمهورية أوزبكستان اليوم، جزءًا من الإمبراطورية السوفيتية الناشئة. 
ذات يوم كئيب قرر الزعيم السوفيتي عندئذ، جوزف ستالين، تحويل جمهوريات آسيا الوسطى إلى مزارع عملاقة للقطن، دون الالتفات إلى واقع المناخ الجاف السائد في هذا الجزء من العالم، والذي لا يتناسب مع زراعة محصول شره يحتاج إلى كثير من الماء. 
وبالفعل عكف السوفييت على إنجاز أحد أكثر المشروعات الهندسية طموحًا في تاريخ العالم، فلقد شقّوا آلاف الكيلومترات من قنوات الري لسحب مياه نهرَي "آمو داريا" و"سير داريا" وتوجيهها لاستصلاح الأراضي الزراعية في تركمانستان وأوزبكستان ومناطق أخرى جنوب كازاخستان، ضمن سلسلة قرارات رسمت معالم الجريمة السوفيتية.
فيقول خبراء غربيون إن المسؤولين بوزارة الثروة المائية السوفيتية الذين صمموا قنوات الري، كانوا يعرفون تمام المعرفة المصير الذي يدفعون بحر آرال إليه. 
ففي الفترة ما بين عشرينيات القرن الماضي وستينياته، كثيرًا ما كان هؤلاء يستشهدون بمقولة عالم المناخ الروسي الشهير ألكسندر فويكوف، الذي وصف بحر آرال ذات مرة بأنه "خطأ طبيعي"، ويبدو أن النظرة الاستراتيجية السوفيتية رجّحت في ذلك التاريخ قيمة المحاصيل الزراعية على الثروة السمكية.
وقد ظل نظام الري ذاك مستقرًا بصورة نسبية حتى أوائل ستينيات القرن الماضي، إلى أن استحدث المهندسون السوفييت العديد من قنوات الري الإضافية، فكان ذلك بمثابة القشّة التي قصمت ظهر البعير. 
فشهد الري في القسم السوفييتي من حوض بحر آرال نمواً مذهلاً، حيث اتسع من مساحة 4.5 مليون هكتار تقريباً عام 1960 إلى 7 ملايين هكتار تقريباً عام 1980. 
ولم يعد النظام المائي مستدامًا، فقد كان التبخر يُخفض مستوى المياه بنفس المقدار الذي تتدفق فيه الإمدادات إلى البحر من نهرَي "آمو داريا" و"سير داريا" ما يجعل الدورة المائية مستدامة طالما أنّ معدل التدفق يساوي معدل التبخر في المتوسط.
ومع حلول عام 1987، انحسرت مياه بحر آرال بشدة، فانقسم إلى كتلتين مائيتين: بحر شمالي في كازاخستان، وبحر جنوبي أوسع مساحة داخل منطقة " قاراقالباقستان" ذات الحكم الذاتي الواقعة في أوزبكستان. 
ومع بدء عام 2002 انكمش البحر الجنوبي بشكل كبير للغاية، فانقسم بدوره إلى بحرين شرقي وآخر غربي. وفي يوليو 2014، جفت مياه البحر الشرقي تمامًا.
وعقب انتهاء الحقبة السوفييتية، شكّلت خمس دول مستقلة في آسيا الوسطى لجنة مشتركة لتنسيق المياه، تتولى تنظيم توزيع المياه في الحوض وتدعم المواقف القطرية لاعتماد استراتيجية إقليمية للمياه. ويؤيّد عدد من المنظمات الدولية والوكالات الثنائية إعداد هذه الاستراتيجية، إلى جانب دراسات إقليمية ومشروعات رائدة لاعتماد نهج جديد في إدارة المياه؛ وأنشئ الصندوق الدولي لبحر آرال والمجلس المشترك بين الدول المعني بمشكلة بحر آرال من أجل تنسيق هذه المبادرات على المستوى الإقليمي.
وفي هذا السياق قررت جمهوريات آسيا الوسطى الخمس التركيز أكثر الآن على إدارة الطلب بغية تخفيض سحب المياه للهكتار الواحد من خلال زيادة كفاءة الريّ الإجمالية: ويفترض هذا إصلاح القنوات المائية وتنظيمها، مما يؤدي إلى الحد من الخسائر، بالإضافة إلى تنظيم القنوات لتحسين جدولة الريّ.
ويبقى الهدف الأساسي تلبية احتياجات المحاصيل إلى المياه، وبالنظر إلى محدودية الأموال المتوافرة، ستنفّذ التدابير تدريجيًا وستعتمد إلى حد كبير على المساعدات الدولية، وهنا يلوح في الأفق نجم سؤالنا الأبرز.. لماذا يتجاهل العالم المساعدة في احتواء هذه الكارثة الإنسانية والمعضلة البيئية؟!
وفرض العديد من البلدان رسوماً على المياه وغرامات للإفراط في استخدام المياه بما يزيد عن الكمية المخصصة لكل مزرعة؛ كما أحالت إلى المزارعين مهمة اختيار المحاصيل التي يمكن زراعتها على خطط الريّ الجديدة. فأدى ذلك إلى استبدال جزء من المحاصيل التي تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه - الأرز في كازاخستان والقطن في تركمنستان وأوزبكستان – بمحاصيل أخرى أقلّ حاجة إلى المياه. وقد تؤدي هذه التغيرات إلى تخفيض الكميات المسحوبة من المياه لكنها ستزيد من صعوبة تخطيط توزيع المياه ورصده.
 
وتقضي إحدى التدابير الهامة في المستقبل اعتبار بحر آرال ودلتا النهرين "دولة سادسة" ذات مخصصات مائية من جمهوريات آسيا الوسطى الخمس. وفي جولة المفاوضات التي جرت بين تلك البلدان، اقترح أن يكون المعدل لهذا المطلب البيئي من المياه 20 كيلومتراً مكعباً في السنة في السنوات الممطرة العادية، ينخفض إلى و12 كيلومتراً مكعباً في السنة في السنة الجافة الواحدة من أصل 10.
وجرت دراسة في ظل هذا الخيار، إضافة لخيارات وحلول أخرى، على اعتبارها جزءًا من الاستراتيجية الإقليمية للمياه، مع أنها لا تعني سوى بلدان الاتحاد السوفييتي سابقًا، وفي مرحلة لاحقة، ستشمل الاتفاقات أفغانستان، التي تغطي 12% تقريبًا من حوض بحر آرال لضمان إدارة الموارد المائية بشكل مستدام.
وفي1990 تم إحراز تقدمًا ملحوظًا واستقرّ حاليًا معدل كميات المياه الإجمالية المسحوبة من الحوض عند 110-120 كيلومتر مكعّب في السنة تقريباً (مقابل 65 تقريباً عام 1960)؛ لكن لا بد من المزيد من التحسين لتلبية الطلب المتنامي من مستخدمي المياه الجدد.
وتشير التقديرات إلى أنه يجب تفريغ 73 كيلومترًا مكعّبًا على الأقلّ من المياه في بحر آرال كل عام لمدة 20 سنة على الأقلّ كي يعود إلى مستواه عام 1960 البالغ 53 مترًا فوق سطح البحر. 
لكنّ حكومات البلدان الواقعة على ضفافه تعتبر ذلك "هدفاً غير واقعي". ومن الخيارات العملية المطروحة الإبقاء على البحيرة عند مستواها عام 1990 (38 مترًا)، مما قد يستوجب تدفقًا إجماليًا قدره 35 كيلومترًا مكعبًا في السنة، إلاّ أنّ هذا لن يضع حدًا للتدهور البيئي والتصحّر في الجزء المكشوف من البحر الآن. 
ويقضي اقتراح آخر بإعادة البحر الشمالي إلى مستوى يتراوح بين 38 مترًا و40 مترًا فوق مستوى البحر، بما يفترض تدفق كمية مياه قدرها 6-8 كيلومترات مكعبة على الأقلّ إلى هذا الجزء من بحر آرال في الخمس سنوات المقبلة.
وظهرت أولى النتائج المشجِّعة في دلتا آمو دَريا والبحر الغربي -- فمنذ 1989، يستخدم مشروع في أوزبكستان شبكة التجميع والصرف لجلب المزيد من المياه إلى الدلتا. فملأت هذه المياه والمياه العذبة البحيرات الضحلة وساهمت في نمو النباتات وعودة الحياة البرية من جديد إلى المناطق المهجورة، وأوقفت تعرية الجزء المكشوف من قاع البحر بفعل الرياح. 
كما نتج عن المشروع أيضاً ارتفاع المصيد السنوي من الأسماك إلى 5000 طن تقريبًا عام 1993 مقارنة مع 2000 طن عام 1988.
الدور الأوزبكي
قبل سنوات قام رئيس جمهورية أوزبكستان، شوكت ميرضيائيف، وتحديدًا في سبتمبر عام 2017 متحدثًا من فوق المنصة الرفيعة للجمعية العامة للأمم المتحدة، كي يلفت الانتباه نحو واحدة من أكثر القضايا البيئية العالمية تعقيدًا في عصرنا، وهى "كارثة بحر آرال". 
وأعلن رئيس أوزبكستان آنذاك: "أن التغلب على عواقب جفاف البحر اليوم يتطلب حشد الجهود الدولية بصورة حثيثة.. ونحن نؤيد التنفيذ الكامل لبرنامج الأمم المتحدة الخاص بتقديم المساعدة الفعالة للسكان المتضررين جرّاء هذه الأزمة". 
وبعد هذا الحديث بعام تقريبًا زار الرئيس الأوزبكي قاراقالباقستان (جمهوريّة أوزبكيّة مستقلّة ذاتيًّا عاصمتها مدينة نوكوس.. تتموضع شمال غرب أوزبكستان.. تبلغ مساحتها 166.600 كيلومتر مربع.. الاسم التاريخي لقاراقالباقستان هو خوارزم، كما تعرف في الأدب الفارسي بالاسم "كاث.. واسم قاراقالباقستان يعني بالأوزبكي القبعة السوداء؛ لأن الناس في هذه الجمهورية يرتدون القبعة على طول السنة لتحميهم من البرد القارص و الحرارة المرتفعة والعواصف الرملية)، حيث أوجز مرة أخرى في حديثه حول عمق ومدى خطورة مشكلة بحر آرال، والأهمية الحاسمة للنهوض الاجتماعي والاقتصادي في المنطقة، وذلك وقبل كل شيء من خلال جذب الاستثمار الأجنبي المباشر إلى المنطقة المنكوبة وتنفيذًا لبرامج المساعدات التقنية المستهدفة. 
وفي 27 نوفمبر لعام 2018، جرى عقد المنتدى الخاص رفيع المستوى للأمم المتحدة في مقر منظمة الأمم المتحدة بمدينة نيويورك حول موضوع "تعزيز التعاون الإقليمي والدولي الهادف إلى تحقيق الاستراتيجيات الشاملة لدعم التنمية المستدامة"، والهدف هو- عرض وإطلاق الصندوق الإنمائي متعدد الشركاء للأمن البشري في منطقة بحر آرال. 
وقد شارك في المنتدى رفيع المستوى في ذلك الوقت الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريس، وممثلو الدول الأعضاء، والمؤسسات الخاصة للأمم المتحدة، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، وبنك التنمية الآسيوي، والشركات الأمريكية الرائدة، والمؤسسات المصرفية والمالية، واتحادات البيئة الدولية غير الحكومية، والدوائر العلمية والتعليمية، بما في ذلك طلاب أوزبكستان الذين يدرسون في الجامعات الأمريكية. 
وترأس وفد أوزبكستان نائب رئيس الوزراء سوخروب حالمرادوف، كما كان ضمن تشكيله رئيسا مجلس الشيوخ والمجلس التشريعي في البرلمان، ورئيس السلطة التنفيذية، ومجلس الوزراء في جمهورية قاراقالباقستان. 
وفي افتتاحه لهذه الفعالية، أكد أنطونيو جوتيريس على شعوره بعظيم الشرف للمشاركة في جلسة الأمم المتحدة حول إطلاق الصندوق الإنمائي، وبأن إطلاق ذلك الصندوق "سوف يفتح فصلًا جديدًا في تاريخ المنطقة المنكوبة". 
وذكّر الأمين العام بزيارته إلى منطقة بحر آرال في يونيو لعام 2017، ووصف جفاف البحر بأنه يمثل "كارثة عالمية"، وأكد قائلًا: " لقد أتيح لي الاستماع إلى حكايات مريرة حول أن اختفاء واحدة من أكبر المسطحات المائية في العالم، والذي قاد إلى تدمير النظم الاجتماعية والاقتصادية في الإقليم، وأجبر الناس على التخلي عن نمط حياتهم المعتادة وعن آمالهم في المستقبل". 
حينها أعرب الأمين العام للأمم المتحدة عن بالغ تقديره لمبادرة قيادة أوزبكستان نحو إنشاء الصندوق الإنمائي، وناشد الجهات المانحة للمشاركة بنشاط في تمويل أنشطة الصندوق.
ووفقًا لقناعته، فإن برامج تعزيز أهداف التنمية المستدامة في منطقة بحر آرال "سوف تعيد التفاؤل إلى السكان المحليين وتمنحهم الأمل في استعادة الظروف المعيشية اللائقة". 
وفي الختام، تعهد أنطونيو جوتيريس بأن الأمم المتحدة سوف تبذل قصارى جهدها لحشد جهود المجتمع الدولي من أجل الوفاء بالمهام المحددة للصندوق. 
وقد قامت منسقة الأمم المتحدة المقيمة في أوزبكستان هيلينا فريزر بتذكير المشاركين في المنتدى، بأن رئيس جمهورية أوزبكستان شوكت ميرضيائيف، كان يحمل بين يديه لدي إلقائه لكلمته في سير جلسة الجمعية العامة في نيويورك خريطة تبين بوضوح مأساة بحر آرال، مشيرًا إلى أنها لا تحتاج إلى التعليق عليها".
فقالت هيلينا فريزر: "لسنا هنا اليوم لإعلان إنجازاتنا التي تحققت في أوزبكستان".. "هدفنا هو مضاعفة النتائج المتحققة وضمان استدامتها للسنوات العديدة القادمة". 
وقد أيد مبادرة إنشاء الصندوق الإنمائي الوفود الممثلة لدول اليابان والنرويج ونيجيريا وكازاخستان والجزائر، فضلًا عن ممثلين لعدد من المنظمات غير الحكومية. 
وشرح الوفد الأوزبكي بالتفصيل حزمة التدابير المعقدة التي اتخذتها حكومة أوزبكستان للتخفيف من حدة الآثار المدمرة لأزمة بحر آرال على البيئة، وعلى نشاط السكان الذين يعيشون في المنطقة. 
وتم إعلام المشاركين في المنتدى بإنشاء المركز الدولي للابتكار في بحر آرال بناء على مبادرة رئيس أوزبكستان، كما تم الكشف عن أهدافه ومهامه الرئيسة. 
وقام موسى ايرنيازوف رئيس السلطة التنفيذية لجمهورية قاراقالباقستان، بالحديث على نحو شفاف وعاطفي للغاية حول العواقب الوخيمة لجفاف بحر آرال - رداءة نوعية مياه الشرب، وزيادة الأنواع المختلفة من الأمراض عام بعد الآخر، وارتفاع معدلات الوفيات بين الرضع والأمهات. 
وصرح رئيس قاراقالباقستان قائلًا: "اليوم، يحدو سكان قاراقالباقستان جميعهم الأمل الكبير وهم يترقبون عمل الصندوق الإنمائي الذي تم إطلاقه لمنطقة بحر آرال.. ونحن نعتقد بصدق أن الصندوق الذي يتم إنشاؤه سوف يسمح لنا بتحسين الظروف المعيشية للملايين الذين يعيشون في ذلك الإقليم من أوزبكستان". 
كما أكد موسى ايرنيازوف بشكل منفصل على الاهتمام الكبير الذي توليه قيادة أوزبكستان لتلك المنطقة.. وقال إنه بعد الرحلة الأخيرة التي قام بها منذ فترة وجيزة رئيس دولتنا إلى قاراقالباقستان، تبنى برنامجًا حكوميًا خاصًا غير مسبوق للعامين القادمين، ينص فيه على تنفيذ قرابة ثمانمائة مشروعا بتكلفة تتجاوز أكثر من 1.5 مليار دولار. 
وعُرض على المشاركين في المنتدى فيلم وثائقي يكشف بوضوح عن خطورة الكارثة البيئية لبحر آرال. 
رعب بيولوجي
ذات يوم كان بحر آرال مقرًا لإحدى المنشآت السوفيتية السرية المخصصة لإجراء تجارب على الأسلحة البيولوجية، وكانت تلك المنشأة الواقعة على جزيرة "فوزروزدينيا" (التي لم تعد جزيرة بعد جفاف البحر) تعد موقع التجارب الرئيس لـ"مجموعة الحرب الجرثومية والبيولوجية" التابعة للجيش السوفيتي، إذ شُحنت آلاف الحيوانات إلى تلك الجزيرة، حيث كانت تتعرض لبكتيريا الجمرة الخبيثة (الأنثراكس) والجُدري والطاعون الدبلي وداء البروسيلات وعوامل بيولوجية أخرى. 
وقد ساور القلق السلطات الأمريكية جراء احتمال وقوع براميل صدئة تحمل الجمرة الخبيثة في أيدي تنظيمات إرهابية؛ لذا بادرت في عام 2002 إلى إرسال فريق تنظيف إلى ذلك الموقع. 
ولم يُعثر على أي مواد بيولوجية في الغبار منذ ذلك التاريخ؛ لكن ظهور حالات طاعون بصورة متقطعة لا يزال يسبب نكبات لسكان المنطقة المجاورة.
كان هذا الدافع الوحيد الذي كان بإمكانه أن يجعل دولة مثل الولايات المتحدة الأمريكية تنفق مئات المليارات من الدولارات لكي تتأكد وتتثبت من مخاوفها، أما إنقاذ البشر المتضررين من هذه الكارثة لم يكن يومًا في أولويات صاحبة أكبر اقتصاد في العالم كما بدا.
على عكس التصريحات والمؤسسات التي تنتطلق منها مدّعية رعايتها لمثل هذه القضايا الإنسانية الجديرة بالرعاية والاهتمام والإنجاز.
نقطة ضوء
نقطة الضوء الوحيدة في هذه القصة الحزينة فهي عودة الروح للبحر الشمالي مؤخرًا. 
ففي عام 2005، أنهى الكازاك بناء "سد كوكارالسك" بطول 13 كيلومترًا على الضفة الجنوبية للبحر الشمالي بتمويل من البنك الدولي، فنشأ عن ذلك كتلة مائية منفصلة كليًا تغذيها مياه نهر سير داريا. 
ومنذ بناء هذا السد، استعاد البحر الشمالي عافية مصايده بوتيرة أسرع مما كان متوقعًا؛ لكن السد عزل البحر الجنوبي عن أحد مصادر المياه الرئيسة التي ترفده، مما دفع به إلى مصيره المحتوم.
ونتيجة تلك الجهود، استعاد بحر آرال في كازاخستان كميات كبيرة من مياهه، واتسعت مساحاته وبلغ مجددًا ميناء آرالسك بعدما انحسر عن أرصفته لسنوات، ما أدى إلى تحسن مناخ المنطقة، وظهور المراعي مجدداً في حوضه، وكذلك عادت الأسماك إلى مياهه ومعها قوارب الصيادين. 
أما الجزء الثاني من آرال، فما زالت الصحراء تلتهمه، لعدم اتخاذ تدابير كافية لإنقاذه. 
ويبقى هذا البحر في حاجة إلى عقود ليعود إلى سابق عهده، على أن تتضافر جهود جميع الدول التي يؤثر آرال على الحياة فيها. 
ولأن مع كل محنة ثمة منحة، فقد استفادت مدينة ميوناك بغرب أوزباكستان، حيث اختفت المياه التي كانت ترسو فيها السفن وظهر قاع البحر المغطى بالملح الأبيض، من تدفق سياحي من نوع خاص: "سياحة الكوارث البيئية"، إذ يحرص كثير من الناس على المجيء إلى هذه البقعة المنكوبة لالتقاط صور سيلفي مع مقبرة السفن الصدئة التي تمخر اليوم عباب بحر الرمال المختلطة إلى جانب الإبل التي تمر عابرة المكان. صدق من قال: مصائب قوم عند قوم فوائد.
 

عند العثور على خطأ في النص يرجى الضغط على زر Ctrl+Enter وإرساله إلينا

یجب الاستناد بالارتباط التشعبي إلى Eurasia Diary في حالة استخدام الأخبار

تابعنا على الشبكات الاجتماعية:
Twitter: @EurasiaEreb
Facebook: EurasiaArab
Telegram: @eurasia_diary


Загрузка...