صراعات الطاقة تشتعل فى آسيا الوسطى - ednews.net

الخميس، 2 ديسمبر

صراعات الطاقة تشتعل فى آسيا الوسطى

مقالات A- A A+
خالد عكاشة
 
فى سبتمبر الماضى، جرت مناورات عسكرية تحت عنوان «الأشقاء الثلاثة» بمشاركة كل من «باكستان، وتركيا، وأذربيجان»، اعتبرتها إيران فى جانب رئيسى منها موجهة إلى مصالحها ومهددة مباشرة لها، ما دفع طهران إلى الرد سريعًا هذا الشهر من خلال مناورة للجيش الإيرانى على حدود جمهورية «نختشيفان» ذات الحكم الذاتى، والتابعة لأذربيجان فى الأول من أكتوبر. وإذا بعملية حشد مضاد من الجانب الأذرى والجورجى يتشكل فورًا من خلال تنظيم مناورة مشتركة مع تركيا على الحدود الإيرانية جرت فى الفترة من ٥ إلى ٨ أكتوبر الجارى، كما أجريت فى نفس الفترة مناورة ثلاثية بمشاركة «تركيا، أذربيجان، جورجيا» تحت اسم «ما لا نهاية ٢٠٢١» فى تبليسى عاصمة جورجيا.
 
هذا الزحام والتدافع العسكرى أصاب المنطقة ودوائر الارتباط بها، بحالة دهشة منطقية بالنظر إلى حجم القوات الذى تدفق بهذا التسارع، الذى بدا وكأنه كان على أهبة الاستعداد للكشف عن هذا الاصطفاف الجديد، الذى يثير التساؤلات والقلق فى آن واحد خاصة والمشهد الذى يتشكل مازال فى فصوله الأولى، لم تحسم خرائطه بعد. فخلال الأسابيع الماضية شهدت الحدود الأذربيجانية الإيرانية تصعيدًا غير مسبوق، على خلفية الخلافات بين طهران وباكو، رافقته حملة إعلامية من جهة وموجة من تراشق حرب التصريحات بين مسئولى الجانبين من جهة أخرى. منها عندما صرح وزير الخارجية الإيرانى «أمير حسين عبداللهيان» مؤخرًا، باتهام مباشر إلى أن أذربيجان لجأت إلى «جلب المرتزقة والإرهابيين» إلى منطقة «ناجورنو كاراباخ» خلال الحرب الأخيرة مع أرمينيا فى الخريف الماضى، لترد عليه المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأذربيجانية بدعوته إلى الكف عن كيل الاتهامات وتصعيد حملة التضليل ضد باكو، مؤكدة أن الحملة المعادية لأذربيجان لن تكون فى مصلحة إيران، كاشفة عن أن هذه الاتهامات التى لا أساس لها من الصحة، سببها منع الدخول غير القانونى للشاحنات الإيرانية إلى أراضى أذربيجان، وأيضًا موقف إيران من تحرير الأراضى الأذربيجانية من الاحتلال، بحسب ما تصف به صراعها مع أرمينيا.
 
ولم تكتف أذربيجان بالتراشق الإعلامى، بل بدأت فى نشر معلومات وصفتها بالاستخباراتية المؤكدة التى لدى حلفائها أيضًا، فيما يخص نشر «الحرس الثورى» الإيرانى «٤ آلاف زورق سريع» فى بحر قزوين، فى تصعيد جديد يزيد من حدة التوتر بين الجانبين. 
 
الخطوة الإيرانية تزامنت مع بدء مناورة قيادة أركان البحرية الأذربيجانية فى بحر قزوين، التى تتشارك فيها السفن الحربية والقوات البحرية، وتركز مهام التدريب فيها على حماية وصيانة البنية التحتية للطاقة، فى الجزء الأذربيجانى من بحر قزوين. ولم تكذب إيران هذا الكشف المعلوماتى الأخير لأذربيجان، فبحسب مقاطع الفيديو والصور المنشورة على قنوات «تليجرام» التابعة للحرس الثورى، فقد تم نشر عدة آلاف من الزوارق السريعة فى بحر قزوين وجميعها مزودة بمدافع رشاشة من العيار الثقيل.
 
وترى أذربيجان أنه لا يمكن اعتبار القوارب السريعة التى ليس لديها أسلحة غير الرشاشات الثقيلة، قوة نظامية جدية لها مهام روتينية فى البحر، بل يمكن النظر إليها باعتبارها مكلفة بتنفيذ عمليات تخريبية مختلفة بما فى ذلك الهجمات على ناقلات النفط والغاز والحفارات وغيرها من المكونات الرئيسية لمشروعات الطاقة الكبرى.
 
الحلفاء لكل طرف بدأوا يدخلون على خطوط التصعيد المتشعبة، وبدأت أكثر من دولة ممارسة بعض إجراءات التضييق على حلفاء المحور المضاد، وربما البداية جاءت من تركيا التى سارعت بمنع دخول الشاحنات الإيرانية إلى أراضيها، عبر جميع المعابر الحدودية المعتمدة بين البلدين. وعللت أنقرة ذلك القرار بأنه جاء ردًا على حظر دخول الشاحنات التركية إلى إيران، لتتسارع الإجراءات خلال أسابيع وتصل إلى وقف حركة التبادل التجارى بين البلدين تمامًا بسبب التوترات على الحدود الإيرانية الأذربيجانية. بالرغم أنه وفق التقارير الرسمية المعلنة يبلغ حجم التجارة بين تركيا وإيران «٦ مليارات دولار» حتى العام ٢٠٢٠، وفى أبريل الماضى أعلنت إيران عن توقيع «٦ مذكرات تفاهم» مع تركيا لرفع مستوى التبادل التجارى بين البلدين، حتى يتطور ويصل إلى «٣٠ مليار دولار»، حيث تمتلك تركيا حدودًا برية بطول «٥٠٠ كلم» مع إيران.
 
وفى هذا تحمل تلك الإجراءات المتبادلة حجمًا لا يستهان به من الخسائر الاقتصادية على كلا الجانبين، فى وقت يشتكيان معًا من ضائقة اقتصادية جراء جائحة كورونا وما استتبعها من ارتباك، فضلًا عن حجم العقوبات والتضييق الذى يخيم عليهما معًا، مما يلقى بظلال قاتمة حول المدى سيذهب إليه هذا التصعيد غير المحسوب.
 
لذلك تعد هذه المناورات والانتقادات الأذربيجانية لإيران، كاشفة عن حجم توتر مكتوم ليس الأول بين البلدين الجارين والواضح أنه لن يكون الأخير، فى منطقة جنوب القوقاز التى تحكمها معادلات وتوازنات معقدة إقليمية ودولية، بالتأكيد هذه المرة ستتجاوز كونها نقطة تماس بين روسيا وتركيا وإيران، حيث حرصت الأخيرة خلال حرب «ناجورنو كارباخ» الأخيرة إلى أن تلعب دور «الوسيط المحايد» وعرضت ذلك فى أكثر من مناسبة، إضافة إلى نفيها المتكرر عبور أسلحة إلى أرمينيا عبر أراضيها فى محاولة للتخلص من الاتهامات التى لازمتها خلال سنوات طويلة من هذا النزاع التاريخى. ففى الوقت الذى حافظت فيه أذربيجان على علاقات ودية مع طهران، إلا أن إيران فى المقابل، لم تتمكن من جعل أذربيجان ضمن حلقة نفوذها الإقليمى على الرغم من خلفيتها الدينية المشتركة معها، كما تربط أذربيجان بإيران علاقات تاريخية وثقافية عميقة، حيث تعد القومية الأذرية فى إيران هى القومية الثانية بعد القومية الفارسية فى التركيبة الاجتماعية، لكن تأتى صراعات الطاقة لتقلب تلك المعادلات المستقرة التى اضطربت بصورة كبيرة، فور إعلان تركيا عن خط «أنابيب غاز» جديد لتزويد «ناخشيفان» بالطاقة، مما يعنى خسارة إيران لأهميتها الجيوسياسية بالنسبة لأذربيجان، كما أن هناك توقعًا آخر أن تتغير أوزان العلاقات الثنائية بينهما لصالح باكو بعد عودة جزء من حدود إيران مع أذربيجان لسيطرة باكو، ما سيسهل التواصل بين أذربيجان والأذريين الإيرانيين بعد انقطاع لعقود.
 
عنوان الطاقة وخطوط الإمداد فيما بين هذه الأطراف بعضها البعض، وثروات الطاقة أيضًا فى بحر قزوين الذى يتشاركون فيه، تبدو وكأنها تصيغ معادلات جديدة فى علاقات الأطراف وفى شكل الاصطفاف الذى استدعى موروثات تاريخية، فضلًا عن البعد الاقتصادى الذى بات مؤرقًا لهذه الدول جميعًا، وقد يكون سببًا رئيسيًا لاستعداء السلاح أو انفلاته أيهما أقرب فى تلك المنطقة شديدة التعقيد.

dostor.org

عند العثور على خطأ في النص يرجى الضغط على زر Ctrl+Enter وإرساله إلينا

یجب الاستناد بالارتباط التشعبي إلى Eurasia Diary في حالة استخدام الأخبار

تابعنا على الشبكات الاجتماعية:
Twitter: @EurasiaEreb
Facebook: EurasiaArab
Telegram: @eurasia_diary


Загрузка...