المرحوم الدكتور كامل أبو جابر / وزير الخارجية الأسبق في حديث هام عن مؤتمر مدريد للسلام وكيفية تشكيل الوفد الأردني للمؤتمر... تفاصيل هامة | Eurasia Diary - ednews.net

13 أغسطس, الخميس


المرحوم الدكتور كامل أبو جابر / وزير الخارجية الأسبق في حديث هام عن مؤتمر مدريد للسلام وكيفية تشكيل الوفد الأردني للمؤتمر... تفاصيل هامة

سياسة A- A A+
المرحوم معالي الدكتور كامل أبو جابر / وزير الخارجية الأسبق في حديث هام عن مؤتمر مدريد للسلام وكيفية تشكيل الوفد الأردني للمؤتمر... تفاصيل هامة كما ورد ذلك في (كتاب ذكريات من رحلة العمر... أ.د. كامل أبو جابر.... إعداد/ عمر محمد نزال العرموطي)..... مقدمة: بقلم الأستاذ الدكتور كامل أبو جابر لم أكن أتصور في أيام حياتي أنها ستكون على ما كانت عليه مليئة بالمفاجآت التي تتالت بحيث يمكن القول وكأنني عشت أكثر من حياة واحدة، كل واحدة منها لها نكهتها وطعمها، وأحياناً أفكر كيف انتقلت من حياة شبه بدائية كما أنتقل الأردن حيث عاصرت أنا ووطني الأردن الإنتقال من حياة أقرب إلى عفوية وصفاء البداوة وبعدها الزراعة والأردن اليوم وعاصمتنا عمان وحالها على ما هو عليه. كل محطة من محطات حياتي اختلفت شكلاً ومضموناً عن سابقاتها وكأنني مسافر في قطار، لكل محطة اسم وشكل مختلف وأحسب أنه لولا مثابرة الصديق المؤرخ عمر العرموطي، ما كان لهذه الذكريات ولا أقول المذكرات أن ترى النور. لا أدري لماذا اهتم بي الأستاذ عمر هذا الأهتمام ولا لماذا كرّمني كل هذا التكريم فأخذ على عاتقه أن يصبر عليّ وأن يتابعني باللقاءات والمقابلات. كل محطة من محطات حياتي كانت مفاجأة، لم أخطط لها حيث لم أحلم وأنا بالمدرسة الثانوية، أن الله سيهبني الفرصة أن ألتحق بجامعة ناهيك أن أحصل على درجة الدكتوراة وحتى دراسة العلوم الشرقية بعدها في جامعة برنستون. الهاجس العام الأكبر منذ أن وعيت على الدنيا كان القضية الفلسطينية التي لا أذكر يوماً من أيام حياتي أنها لم تكن على بالي وفي خاطري، وأذكر في هذا الصدد أنني قمت بالإعداد للالتحاق بالجهاد في فلسطين عام 1948م، مع زميلين في مدرسة المطران ذلك العام، وفي اليوم المحدد لهربنا إلى فلسطين دون إعلام أهلنا، أصر والدي ذلك الصباح أن أرافقه طيلة ذلك اليوم حتى أنه أمسك بيدي على غير عادته وأخذني معه، ورغم رجائي وإلحاحي إلا أنه رفض أن يسمح لي أن أتركه وكأن لديه إحساس بشيء ما، وأنتهى ذلك الصباح وذهبت لحظة اللقاء مع رفيقي، ولما ذهبت في اليوم التالي إلى المدرسة وجدت أن أحدهم وكان أبوه تاجرا شامياً في الصف فسألته لَم لْم يذهب؟ فقال إنه "غيّر رأيه" ولكن الزميل الثالث وهو قريب لي واسمه بهجت ابن يعقوب قعوار ذهب بالحافلة إلى فلسطين وانضم إلى جماعة المجاهد جمال الحسيني وقتل بعد أسابيع في معركة القسطل. أسوق هذه القصة لأبين أجواء حماس الشباب للدفاع عن فلسطين ومقدساتها وعن الصدمة التي حصلت حين تحقق المخطط الإسرائيلي وتم تأسيس دولة إسرائيل. أما الأردن الذي واكبت حياته ومراحل تطوره وتقدمه من عصر البداوة إلى ما هو عليه اليوم، فكان ولا زال حُبّه في قلبي حتى أنني اليوم وفي فاتحة كل صباح أرفع يدي إلى الله مبتهلاً "اللهم احم هذا البلد". هذا البلد الذي أحسب أنه سيكون يوما محطة لانطلاق تحرير فلسطين ولو طال الزمن. وأقول إننا نحن أهل الأردن وفلسطين والأراضي المقدسة وحدنا كفيلون بتحرير البلاد وإن هذا الأمر سيحصل إن عاجلاً أم آجلاً، وسنرحب طبعاً بأي جهد أو دعم معنوي أوسياسي أو عسكري أو اقتصادي من إخواننا العرب والمسلمين والشعوب الصديقة، ولكن بنهاية المطاف لا بد وأن نؤمن بأننا وحدنا مكلفون بالأمر. مرة أخرى الفضل كل الفضل في تدوين هذه الذكريات عن حياتي الخاصة وعن نموها مع نمو الأردن وتصدعات القضية الفلسطينية يعود إلى الأستاذ عمر العرموطي فله الشكر على جهده ومثابرته. لقد "نبش" العرموطي ذاكرتي رغما عني وفرض عليّ رغم تقاعدي الذي فرض عليّ لأتخلى عن رئاستي للمعهد الملكي للدراسات الدينية، أن أتذكر هذه الشذرات المنتقاة من حياتي لعل فيها حسب قوله منفعة للأجيال القادمة. وإذ أدون هذه الأفكار في عهد مليكنا الشاب عبد الله الثاني لأرجو الخالق عز وجل أن يسدد خطاه لما فيه منفعة الخلق والمثابرة في الدفاع عن فلسطين وبناء الأردن. وزيراً للخارجية في حكومة طاهر المصري: في عام 1991م جاءني هاتف من وزير الخارجية الدكتور عبد النسور آنذاك وهو رئيس الوزراء الحالي طلب مني أن أنضم إلى لجنة استشارية برئاسة رئيس الوزراء آنذاك دولة طاهر المصري من أجل تحديد بعض الأفكار في حال دخول الأردن في عملية المفاوضات مع إسرائيل، اجتمعنا في صيف ذلك العام حوالي (10 مرات) وكان دولة أبو نشأت يحضر هذه الإجتماعات ويشترك بالنقاش بوصفه رئيساً للحكومة كما وكان يحضر هذه الإجتماعات وزراء ووكلاء وزارات من المختصين بشؤون اللاجئين والمياه والقدس، والأمن والحدود...الخ... خلال شهر أيلول عام 1991م وصلني هاتف من رئاسة الوزراء بأن دولة طاهر المصري/ رئيس الوزراء يريد الحديث معي فتحدثت معه وإذا به يطلب مني أن أقابله في منزله بعبدون الساعة الثانية عشرة ظهراً... ثم جاءني تلفون آخر وقالت لي زوجتي لقد جاءك تلفون من رئيس الحكومة فقال لي دولة طاهر المصري تعال الساعة الثانية عشرة والنصف ظهراً بدلاً من الساعة الثانية عشرة، ثم جاءني تلفون ثالث وقال لي دولته تعال إلى منزلي بالساعة الواحدة والنصف... دولة طاهر المصري (أبو نشأت) صديقي وهو رجل أجله وأحترمه كثيراً كنت ولا زلت أعتقد أنه أحد رجالات الأردن المميزين والوطنيين... بعد أن وصلت إلى منزل دولة أبو نشأت قال لي بأنه يريدني أن أدخل حكومته وزيراً للخارجية... لكنني أعتذرت وقلت له: عندك وزير خارجية وهو الدكتور عبد الله النسور... فقال لي دولة طاهر المصري: لقد استقال الدكتور عبد الله النسور... لكن عندما أصر وأعلمني أن هذه أيضاً رغبة جلالة الملك قبلت بالمنصب وقال لي إن جلالة الملك وأنا نريد منك أن تحضر اليوم إلى الديوان الملكي الساعة الرابعة مساءً.. وفعلاً ذهبت إلى القصر وإذا بجلالة الملك يدخل علينا وقال أهلاً وسهلاً إنك سوف تكون معنا يا دكتور كامل بالفريق... فقلت لجلالة الملك: "أنا خدامك يا سيدي" وضحك جلالته... وحينها طلبت منه أن يسمح لي بأن أقابله مقابلة خاصة كي أستعلم منه عن بعض الأمور المتعلقة بالسياسات الخارجية للأردن... وفي حال دخولنا بعملية المفاوضات السلمية مع إسرائيل ما هو المطلوب والمتوقع من الأردن؟.... وما هي حكايتنا. فوافق جلالته وقابلته باليوم التالي بالديوان وطالت الجلسة واستمرت حوالي 3 ساعات وعلى انفراد وسألته وقلت له: أنا أريد أن أعرف منك يا سيدي ما هو المطلوب، صحيح أنني أستاذ في السياسة لكنني لم أعمل بالسلك الدبلوماسي وخبرتي بمعاملات الدولة قليلة... فشرح لي جلالته (رحمه الله) كل الأمور التي استفسرت عنها وقال لي: "يا أخي أنت أستاذ بالسياسة إنت شو رأيك؟". فقلت لجلالته: أنا أريد أن أسألك سؤالاً: هل تعرف يا سيدي ما هي حدود إسرائيل وهل هناك في العالم من يعرف حدود هذه الدولة؟ فضحك جلالته وحكّ رأسه. فكررت السؤال وقلت هل يوجد أحد بالدنيا يعرف حدود إسرائيل؟ إننا يا سيدي لو تمكنا من خلال مفاوضات مستقبلية أن نفرض على إسرائيل بأن تعرف عن نفسها وأن تعملنا أين حدودها شمالاً وشرقاً وجنوباً فنكون قد حققنا إنجازاً كبيراً حيث أننا الآن نتحاور مع دولة لا نعرف أبعادها (لا الجغرافية ولا الفكرية ولا السياسية) فإذا عرفنا حدود إسرائيل فسنعرف حدود سوريا وحدود فلسطين حدود (4 حزيران عام 1967م) وحتى حدود مصر... فإذا تمكنا من معرفة حدود إسرائيل فسوف نستطيع التعامل معها وربما احتواءها.... ولقد أعجب جلالته بكلمة احتواء وقال لي "على بركة الله".... وهكذا تم... وأصبحت وزيراً للخارجية.... بدأت عملي كوزير للخارجية مباشرة، وكان من أهم المهام التي قمت بها بالأسابيع الأولى التركيز على تشكيلة الوفد الأردني الذي سيشارك بمؤتمر مدريد للسلام فمن المهم جداً البحث عن الأسماء المناسبة لهذا الوفد... والأمر الآخر الخطاب الذي  سأتشرف بإلقائه نيابة عن الأردن بمؤتمر السلام القادم. كنت أرغب أن يتم تشكيل الوفد الأردني، الذي سيتكون من 14 شخصية أردنية من رجالات الأردن الذين كنت أطلق عليهم اسم (المفاتيح) أي من وجهاء وشيوخ البلاد وبما أن المؤتمر هو للسلام فإن الوفد لا يجوز أن يمثل الدولة فقط بل يجب أن يمثل المجتمع الأردني بكل أطيافه ورجالاته فهذا وفد الأردن... وقد طرحت هذه الفكرة في حينها على رئيس الوزراء دولة طاهر المصري (أبو نشأت) وعلى رئيس الديوان الملكي الشريف زيد بن شاكر (أبو شاكر) فخالفوني الرأي لأن وجهة نظرهم بأن هذا المؤتمر فني لا بد وأن يعتمد على الخبراء لكنني أصررت على انتقاء (3-4 أشخاص) ليكونوا أعضاء بالوفد المفاوض ومنهم الدكتور عدنان البخيت لأنه أستاذ جامعي ومفكر ومؤرخ معتبر ليس أردنياً فقط إنما عربياً ودولياً كذلك وإن وجوده معنا يساعدنا على إقناع الأوساط المثقفة الأردنية والعربية على ضرورة المشاركة حيث كان هناك كلام خطير بالأردن والعالم العربي أن هناك نية لتصفية القضية الفلسطينية من خلال هذا المؤتمر... الشخص الثاني الذي اخترته هو الدكتور عبد السلام المجالي كونه من شيوخ واحدة من أكبر العشائر بالأردن عشائر المجالي وهو طبيب وخدم في الجيش والخدمات الطبية الملكية وعمل في الحكومة وزيراً ونائباً لرئيس الوزراء وأصبح رئيساً للجامعة الأم الجامعة الأردنية وهو إداري قدير ومفاوض ممتاز يتمتع بالحلم والصبر والتأني... وقد كان رأيي بأن يترأس الدكتور عبد  السلام المجالي الوفد الأردني لمفاوضات السلام مع إسرائيل... حيث أنني شخصياً لم أفاوض إطلاقاً كوزير للخارجية إنما الدكتور عبد السلام المجالي الذي قام برئاسة الوفد المفاوض كان يقوم بذلك... وقد تم اختيار معظم أعضاء الوفد الأردني لمؤتمر مدريد للسلام من التكنوقراط (مهندسون، أساتذة جامعة، علماء، فنيون)... أما بالنسبة إلى تعيين الدكتور عبد السلام المجالي والأستاذ عدنان البخيت فطلبت من رئيس الحكومة والشريف زيد بأن يتم تكليفهما من قبل جلالة الملك الحسين بن طلال شخصياً، لأنني كنت أخشى بأن يكون جوابهما الاعتذار عن هذه المهمة إذا ما تم تكليفهما من قبل شخص آخر. الشخصان الثالث والرابع اللذان اقترحتهما جاءا ضمن إصراري على ضرورة إشراك القوات المسلحة ودائرة المخابرات العامة بالوفد لأن الوفود الإسرائيلية عادة يكون ضمن أعضائها أشخاص من الجيش الإسرائيلي أو المخابرات... وقد تم تمثيل القوات المسلحة بالمشير عبد الحافظ مرعي الكعابنة وكان إنساناً قليل الكلام لكن إذا تكلم كان لديه ما يقول... ومن دائرة المخابرات الأردنية كان يمثلها اللواء عبد الإله الكردي.... وهو أيضاً مثل المشير الكعابنة قليل الحديث ولكن لحديثه معنى. علماً بأنني اقترحت بأن ينضم للوفد الأردني لمفاوضات السلام مع إسرائيل فيما بعد دولة الدكتور فايز الطراونة الذي قام بدوره على أكمل وجه...  كان لا بد من إعداد الوفد واللقاء معه عدة مرات تمهيداً إلى المفاوضات القادمة وكان عدد أعضاء الوفد (14 شخصاً) وكنت أجتمع معهم بوزارة الخارجية... أما لماذا كان عدد الوفد (14)؟... فالحقيقة أنني لا أدري!! لأن كل الوفود التي اجتمعت بمؤتمر مدريد كان عددها (14)... وكان من ضمن أعضاء الوفد الأردني الدكتور غسان الجندي، والدكتور عدنان البخيت، والدكتور موسى بريزات، والمشير عبد الحافظ مرعي الكعابنة، والدكتور عبد السلام المجالي، والدكتور منذر حدادين الذي كان دوره مميزاً في مفاوضات المياه... وضم الوفد كذلك السفير فؤاد أيوب واللواء عواد الخالدي ودولة الدكتور عون الخصاونة والدكتور محمد بني هاني والأستاذ الدكتور وليد الخالدي. كان وفد منظمة التحرير الفلسطينية برئاسة المرحوم الدكتور حيدر عبد الشافي الرجل الفاضل الذي اكتشفت بأنه إنسان رائع بكل معنى الكلمة... عندما غادرنا عمان إلى العاصمة الإسبانية مدريد وكان جلالة الملك الحسين بن طلال قد أمر بنقلنا بطائرة خاصة بحيث تقل هذه الطائرة الوفدين الأردني والفلسطيني... جلالة الملك كان بوداعنا شخصياً بمطار ماركا وغادرنا أنا ود. حيدر عبد الشافي والوفود والجهاز الإداري والفني الموجود معنا.... ومنذ تلك اللحظة أحببت واحترمت د. حيدر كل الاحترام حيث كان رجلاً حكيماً، لديه بعد نظر ورؤيا للمستقبل وفهم كبير للقضية الفلسطينية وكذلك كان لديه تفهم للمطالب الأردنية... وفي حديثي معه أعلمني الدكتور حيدر عبد الشافي أنه خدم طبيباً في الجيش الأردني خلال فترة الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي... وقال لي بأنه كان يتنقل في مناطق جنوب الأردن من مكان إلى مكان على ظهر حصان... منذ اللحظة التي جلست فيها بجانبه على مقعد الطارة حتى وفاته كنت على علاقة جيدة معه وأنا أكن له التقدير والاحترام حيث كنت حريصاً بأن يتقدمني أثناء الجلوس والصعود للطائرة أو إذا احتسيت معه فنجاناً للقهوة لقد كان رجلاً فاضلاً بكل معنى الكلمة. افتتاح مؤتمر مدريد للسلام: في اليوم التالي توجهنا للقصر الملكي الذي كانت الحكومة الإسبانية قد وفرته لنا ليكون مقراً لإجتماعات المؤتمر... علماً بأن الوفود المشاركة بالمؤتمر قد نزلت بعدة فنادق فالوفد الفلسطيني والوفود الأخرى كان مقر إقامتها بفنادق بنفس المنطقة قريباً من الفندق الذي أقام به الوفد الأردني. الحكومة الإسبانية قامت بحراسات غير معقولة واحتياطات أمنية ضخمة بالشوارع المحيطة بالفندق شارك بها الجيش والشرطة لأنه لأول مرة بتاريخ الصراع العربي الإسرائيلي يجتمع فيها وفود عربية وإسرائيلية علناً؟!... .... وعندما ذهبنا لحضور الجلسة الافتتاحية للمؤتمر كان في استقبالنا كل من جيمس بيكر وزير الخارجية الأمريكي وكذلك بوريس بانكين وزير خارجية الاتحاد السوفيتي.. وللعلم أنا لم أصافح مسؤولاً إسرائيلياً واحداً. بدأت إجتماعات المؤتمر وكان يجلس مقابلي على المائدة إسحق شامير رئيس الوزراء الإسرائيلي وجلس بجانبي الدكتور حيدر عبد الشافي رئيس الوفد الفلسطيني الذي كان يعمل تحت المظلة الأردنية وكان يجلس خلفناً أعضاء الوفدين الفلسطيني والأردني. أما بالنسبة إلى الكلمة التي كنت سألقيها في المؤتمر فقد حاولت في البداية أن تقوم وزارة الخارجية الأردنية بصياغتها لكن بعد محاولتين وجدت بأنه من الأفضل أن أقوم شخصياً بكتابتها وقمت بذلك رغم أنه لم تكن عندي الخبرة بالدبلوماسية الأردنية ولم أخدم طوال حياتي بوزارة الخارجية الأردنية حيث هبطت على وزارة الخارجية بالبراشوت (بالمظلة) ولم أخدم طوال عمري بمنصب سفير بوزارة الخارجية؟! لذلك كان لديّ إصرار بأن يقرأها كبار المسؤولين بالديوان الملكي بمراجعتها فأرسلت الكلمة إلى عدنان أبو عودة رئيس الديوان الملكي آنذاك فقرأها... وقال لي إنه لن يقوم بتغيير حرف واحد فيها... فقلت لعدنان أبو عودة أرجو أن يطلع عليها جلالة الملك الحسين وكبار المسؤولين بالديوان الملكي... فقالوا لي (على بركة الله). قمت بتوزيع الكلمة على أعضاء الوفد الأردني قبل أن أقوم بقراءتها. وقد حضر الجلسة الافتتاحية للمؤتمر خافير دي كويار أمين عام الأمم المتحدة وكذلك عبد الله بشارة أمين عام مجلس التعاون الخليجي. أتذكر بأننا جلسنا أثناء الجلسة الافتتاحية لأكثر من ثلاث ساعات... وأذكر بأنه أثناء الجلسة قام فاروق الشرع وزير الخارجية السوري أثناء إلقاء كلمته بإظهار صورة لإسحق شامير وقال بأنه إرهابي لأنه ساهم بقتل الكونت برنادوت المبعوث الدولي ما بين إسرائيل والدول العربية بنهاية الأربعينات من القرن الماضي عندما تم تفجير فندق الملك داود بالقدس. جلس أمامي إسحق شامير رئيس الوزراء الإسرائيلي ولم نسلّم على بعض... وقد حاولت أن أنظر وأتأمل في عينيه حيث بالعادة عندما تنظر بعيون إنسان ما فإنك قد تجد شيئاً... لكنني لم أتمكن من ذلك.... طوال ما كنت أنظر إليه كانت عيونه تطير بجميع الاتجاهات. ... وبتلك الأثناء فكرت وقلت في نفسي: هذا الرجل خريج المحرقة أو (الهولوكوست) وإنه ربما على يديه وشم (تاتو) عن رقمه في معسكر الإعتقال... وفكرت أن هذا الرجل قلبه محروق وفمه محروق، وكأنه في وضع لا يريد فيه أن يرى أحداً... وكأنه جاء لحضور هذا اللقاء متضايقاً مجبراً...؟!... أثناء هذا الإجتماع كان عندي رغبة بأن أعرف المزيد عن الطرف الثاني حتى أعرف كيف سأتعامل معه؟!... وبما إنني أعتبر نفسي إبن بادية تذكرت قول البدو "اللي بالرجال بنعد"... فعندما تذكرت ذلك قلت: (لا حول ولا قوة إلا بالله)... هذا الشخص محروق... اللقاءات الصحفية للوفود بعد  انتهاء المؤتمر: مؤتمر مدريد للسلام كان عبارة عن جلسة صباحية واحدة فقط... وقد التقيت أنا والوفد الأردني بلقاء مجاملة مع الوفد السوري برئاسة فاروق الشرع وزير الخارجية وكذلك الوفد المصري برئاسة عمرو موسى وزير الخارجية الوفد اللبناني برئاسة فارس بويز وزير الخارجية اللبناني والوفد الفلسطيني برئاسة الدكتور حيدر عبد الشافي وكذلك التقينا مع باقي الوفود العربية أثناء تناول طعام الغداء والمناسبات الأخرى... بعد الغداء مباشرة قامت الحكومة الإسبانية بترتيب لقاء صحفي يتم فيه لقاء وزير خارجية كل من الوفود المشاركة لمدة نصف ساعة مع الصحافة والتلفزيون والإعلام العالمي، وقامت الحكومة الإسبانية بعقد هذه اللقاءات والحوارات الصحفية على ملعب جامعة مدريد وقيل لي إن اللقاء حضره حوالي (5500 شخص من الصحافة والإعلام ومحطات التلفزة والراديو) من جميع أنحاء العالم. حينما قالوا لي بأنني سوف أشارك بمؤتمر صحفي ظننت للوهلة الأولى بأنه سوف يشترك فيه (50-100 صفحي)... ولكن فوجئت عندما صعدت من غرفة جانبية على المسرح الذي تم إعداده بطرف الملعب أن هناك أمامي بحراً من البشر وآلات التصوير والكاميرات والأجهزة. بعد أن بدأ المؤتمر الصفحي لرئيس الوفد الإسرائيلي إسحق شامير سأله أحد الصحفيين قائلاً: يا دولة الرئيس أنت الآن دخلت بمفاوضات علنية لأول مرة من أجل إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي والتوصل إلى سلام مع العرب، كم تتوقع أن تستمر هذه المفاوضات حتى تتوصلوا إلى حل أو نتيجة؟... وكان جواب شامير مفاجأة عجيبة للجميع حيث قال: أنا سأضمن أن تستمر هذه المفاوضات لمدة عشر سنوات على الأقل، وسأعمل كل جهدي على أن لا نتوصل إلى نتيجة؟ وقد سئلت أنا بعد ذلك من الصفحيين عن هذا الجواب من شامير... فكان جوابي على ذلك إننا جئنا إلى مدريد في محاولة التوصل إلى تسوية ترضي على الأقل الحد الأدنى من الحقوق الوطنية الأردنية والحقوق الفلسطينية والحقوق العربية للأردن وسوريا ومصر وباقي الدول العربية لكنني أعتقد بعد أن استمعت لجواب السيد شامير بأنه يريد كل الكعكة له... يريد كل شيء! ولكنني أضفت أن اليهود بشر مثلنا ومثل باقي العالم ولديهم عقل ولدينا نحن عقل وبنهاية المطاف فإن البشر العاقلين الذين لديهم نوع من الإنسانية سوف يتوصلون إلى حل وسط يرضي الطرفين. عندما أنظر إلى الفترة منذ عام 1990م حتى اليوم أي ما يقارب (25 سنة) فإنني لم أتصور أبعاد الإصرار والغطرسة اليهودية الصهيونية بجميع مواقفهم فيما يتعلق بالأرض والحدود والمياه والقدس وحق العودة... الخ.... لم أتصور حتى  يومنا هذا مدى تعنتهم وغطرستهم فهم يريدون كل شيء لهم دون التنازل عن شيء للطرف الآخر. وحين جاء دوري لحوار الصحفيين والرد على أسئلتهم سألني أحد الصحفيين: "أنتم العرب عندما تقابلون بعضكم تتصافحون تتبادلون القبل فيما بينكم... لماذا لم تقم بمصافحة وتقبيل إسحق شامير ئيس الوزراء الإسرائيلي أثناء المؤتمر"... وفي حقيقة الأمر كان هذا السؤال مفاجأة لي مما فرض علي أن أفكر برد معقول... فقلت لهذا الصحفي: "إنني إذا قمت وأنا وزير خارجية الأردن بمصافحة رئيس الوفد الإسرائيلي فإن ذلك يعني اعترافاً دولياً بإسرائيل ونحن حتى اللحظة لا يوجد سلام فيما بيننا وهناك حالة حرب لا تزال قائمة... إذن لا يجوز لي بأن أقوم بذلك بالمطلق... لا يجوز أن أصافحه... لكن إذا تحقق السلام فإن للأمر شأنا آخر". أما بالنسبة لتقبيل إسحق شامير فقلت ضاحكاً: "لو كانت تقف أمامي فتاة إسبانية جميلة لقبلتها أما هو (شو بدي أبوس فيه)".... فضحك الجميع على هذا الجواب. وما أن عدت إلى غرفتي في الفندق حتى جاءني هاتف من جلالة الملك الحسين بن طلال يهنئني وهو يضحك... هنأني جلالته على الكلمة التي ألقيتها بالمؤتمر وهنأني أكثر على المؤتمر الصفحي لأنني أجبت على أسئلة الصحفيين بأسلوب جيد كان يتخلله بعض الفكاهة... ثم جاءني هاتف من جلالة الملكة نور ثم سمو الأمير الحسن بن طلال ثم دولة طاهر المصري (أبو نشأت)... كلهم هنأوني على الكلمة التي ألقيتها أثناء افتتاح المؤتمر وعلى أجوبتي أثناء المؤتمر الصحفي. عندما استقالت حكومة دولة طاهر المصري سنة 1991م والتي كنت فيها وزيراً للخارجية وتم تكليف سيادة الشريف زيد بن شاكر بتشكيل الحكومة الجديدة الذي طلب مني الأستمرار بعملي كوزير للخارجية ضمن حكومته فوافقت على ذلك. الغطرسة والتعنت الإسرائيلي: لم أتصور حتى يومنا هذا مدى التعنت والغطرسة الصهيونية الذي اتضح أثناء مفاوضات السلام فهم يريدون كل الكعكة لهم وبرأيي الشخصي أن ذلك يعود للأسباب التالية: أهم سبب هو إحساسهم واعتقادهم بأنهم شعب الله المختار فقد تمكنوا من إقناع قطاعات واسعة من الناس بهذه المقولة ومنهم ما يسمى بالمحافظين الجدد ليس بأمريكا فقط وإنما بالعالم الغربي ككل بأنهم فعلاً شعب الله المختار؟ عدم وجود العربي واختفاء العرب عن الساحة سياسياً وعسكرياً... أنا إبن بادية وهناك مثل بدوي يقول "الرجال ما تستحي... الرجال تخاف خوف"... وهناك مثل آخر يقول: "الزلمة اللي ما بخاف من مرتو ما بحسبلها حساب"... فالدول لا تستحي لأن لها مصالح وهي تحسب فقط حساباً للقوة... حرب حزيران عام 1967م تضاهي بأهميتها حرب عام 1948م.. لأنه بعد الانتصار الإسرائيلي الكاسح والانهيار العسكري للدول العربية شعرت إسرائيل بالاعتزاز والنشوة والغرور والغطرسة بشكل غير معقول، وقد عزز هذا الشعور قوتهم الضخمة التي تفوقت على العالم العربي قاطبة... حتى سلاح المال العربي وسلاح النفط صار سلاحاً بيدهم ضدنا... وإنني أورد هذا الكلام حتى أحاول تفسير وضعنا اليوم بعد 25 سنة من مؤتمر مدريد وبعد أن قام الملك السعودي الراحل عام 2003م بمبادرة بيروت العربية للسلام التي تحدث فيها ليس باسم العرب فقط وإنما باسم العالم الإسلامي كافة بحيث تتحقق المصالحة بين كل العالم الإسلامي وإسرائيل... لكن حتى هذه اللحظة لم تجد هذه المبادرة نتيجة أو حتى جوابا بشكل ولو شبه معقول... بل إن إسرائيل تجاهلتها كل التجاهل... الإسرائيليون لا يأبهون بنا ولا يحسبون لنا حساباً لأننا من ناحية فعلية غير موجودين... نحن لا نملك القوة سواء كان القوة العسكرية أو السياسية أو الإعلامية أو الاقتصادية.... وحتى المال العربي صار سلاحاً بيدهم ضدنا. السبب الأهم هو الفرقة والتشرذم العربي... فالعرب لديهم الاستعداد لمحاربة بعضهم البعض لكن ليس لديهم الاستعداد لمحاربة الآخرين (شاطرين على بعض)؟... وهذا الحال ليس على مستوى الدول العربية إذ حتى الجماعات الإسلامية في سوريا والعراق اليوم تحارب بعضها البعض، يبدو لي أحياناً وكأن كل دولة أو جماعة أو حتى فرد عربي يعتقد أنه يمتلك الحقيقة الكاملة وأن غيره على خطأ. أما بالنسبة إلى الآلية التي انعقد على ضوئها مؤتمر مدريد فقد كانت ترتيبات انعقاد هذا المؤتمر على النحو التالي: ما يسمى بالمفاوضات السياسية الثنائية المباشرة ما بين الوفود العربية من جهة والوفد الإسرائيلي من جهة أخرى على النحو التالي: الوفد الأردني مقابل الوفد الإسرائيلي. الوفد السوري مقابل الوفد الإسرائيلي. الوفد اللبناني مقابل الوفد الإسرائيلي. الوفد الفلسطيني مقابل الوفد الإسرائيلي. وقيل إن هذه المفاوضات سياسية؟... وكأن المفاوضات متعددة الأطراف ليست سياسية. الجزء الثاني من المفاوضات ما يسمى بالمفاوضات متعددة الأطراف... ومن المفترض أنها ليست سياسية مع أنها سياسية (حتى النخاع) لأن: مفاوضات المياه سياسية. مفاوضات حق العودة واللاجئين سياسية. مفاوضات الأمن والحدود سياسية. مفاوضات القدس سياسية...الخ. أعتقد أن الهدف منذ البدء كان عملية غير جادة هدفها فقط الإلهاء بما يسمى عملية السلام... حيث أن السلام ولّى ولم يبق سوى العملية... الإصرار الإٍسرائيلي والغربي أن لا تتم أي مفاوضات أبداً مع الوفود العربية مجتمعة بل مفاوضات ثنائية فقط بين إسرائيل وكل وفد عربي وحده. وكان انعقاد معظم المفاوضات الثنائية في البداية يتم بالعاصمة الأمريكية واشنطن حيث كان يترأس الوفد الأردني الدكتور عبد السلام المجالي الذي كان يرسل تقارير يومية مفصّلة عما كان يدور بين الوفدين الأردني والإسرائيلي. ... وفيما يتعلق بالمفاوضات متعددة الأطراف فكانت تنعقد أحياناً في طوكيو أو أوسلو أو باريس أو أي عاصمة أخرى من عواصم العالم وعادة كان يحضرها بالإضافة إلى الوفدين الأردني والإسرائيلي وفود من بلدان أخرى لها اهتمام بالأمر. بعد أنتهاء مؤتمر مدريد للسلام عدت إلى العاصمة عمان مع الوفد المرافق، وبعد أسبوع ذهبنا لمدينة بروكسل للاشتراك بافتتاح مؤتمر المفاوضات متعددة الأطراف والتي حضرتها جميع الدول العربية وإسرائيل إضافة لوزارء الخارجية لكل الدول الأوروبية بالإضافة إلى وفود من مختلف أنحاء العالم شاركوا بإجتماعات المفاوضات متعددة الأطراف. التفاوض المباشر مع الإسرائيليين كان أمراً مرفوضاً ومستهجناً بالأردن والعالم العربي: أتذكر قبل أن يدخل الوفد الأردني إلى قاعة الإجتماعات بمؤتمر مدريد جاءني واحد أو اثنان من أعضاء الوفد الأردني وقالوا لي: "يا دكتور، دخيل الله إحنا بدنا نجلس مع اليهود بنفس القاعة وبنفس الغرفة؟". حيث أنه للمرة الأولى بتاريخ الصراع العربي الإسرائيلي يجلس فيها الأردني مع اليهودي بنفس القاعة؟ فقلت لهم: إن اليهود بشر مثلنا مثلهم. وكان من الملاحظ بأن المفاوض الفلسطيني لا يوجد لديه مثل هذا الحرج لأنهم يعرفون أعضاء الوفد الإسرائيلي بالاسم حيث يعانون منهم تحت الاحتلال كل يوم.... حتى أن صائب عريقات جاءني ضاحكاً أثناء ما كنت أجلس بمؤتمر مدريد وهو يمازحني وقال لي أريد أن أذهب لأتكلم مع شامير؟.... وقلت لمن سألني: نحن العرب نعرف اليهود بأنهم سكان حارة اليهود حيث كان لهم مثل هذه الحارة في كثير من بلدان العالم العربي وهم جزء من التاريخ الإسلامي ومجتمعه الفسيفسائي في المنطقة العربية الإسلامية... وجزء من الحضارة العربية الإسلامية سواء في دمشق أو القاهرة أو بغداد القديمة أو في الأندلس... وكان منهم وزراء في المغرب العربي والأندلس وبعض البلدان العربية الأخرى. قلت للذين كانوا يعارضون المشاركة في مؤتمر مدريد بأننا لم نذهب للمفاوضات من اجل أن نبيع فلسطين، فالوفد الأردني يحضر المؤتمر مع وفود تمثل الأمة العربية كلها، وكذلك الأمة الإسلامية ودول عدم الانحياز والأمم المتحدة... نحن لم نذهب وحدنا بل إن هناك إجماعاً فلسطينياً عربياً إسلامياً دولياً.... لدينا حقوق والقانون والعرف الإنساني والدولي معنا وعندنا ما نقوله ولا يجوز أن تبقى الساحة الدولية مستباحة فقط لإسرائيل، سأتكلم مدافعاً عن مصالح الأردن ولمصلحة فلسطين... القضية الفلسطينية بالنسبة لنا بالأردن يختلف وضعها عن أي دولة عربية أخرى وعن وضعها في دول جميع العالم القضية الفلسطينية شأن خارجي بالنسبة للدول الأخرى بينما هي بالنسبة للأردن شأن داخلي وخارجي معاً وأنا ذاهب إلى المؤتمر كي أدافع عن الأردن وفلسطين ولصالح فلسطين. ومن الجدير بالذكر بأن عدداً من طلابي بالجامعة زاروني وعاتبوني وقالوا لي: يا دكتور كامل أنت رجل وطني وأستاذ بالسياسة وكنت أستاذنا بمادة القضية الفلسطينية لماذا قبلت بأن تشترك بهذا المؤتمر الذي قد يقوم بتصفية القضية الفلسطينية؟ كان جوابي لهم بأن لكل مقام مقال... وإن المقام الآن يتطلب منا السياسة... وذلك في ضوء الإفلاس العسكري العربي، بعد هزيمة حرب حزيران عام 1967م، لا بد لنا من الإعتماد على السياسة من أجل الدفاع عن القضية الفلسطينية والمقدسات وعن حقوقنا، لو كان الكلام عقائدياً لاختلف الأمر حيث أن عقيدتي تقول إنه لا حق لإسرائيل ولو بحفنة من تراب فلسطين ولكن الكلام سياسي وبالذات في ضوء الوهن العربي الواضح. وقلت لطلبتي بأنني لم أشارك بالمفاوضات بشكل منفرد وإنما شاركت بإجماع عربي فلسطيني دولي وكذلك بمشاركة من دول عدم الانحياز وإجماع الدول الإسلامية فكل العالم كان مؤيداً لهذه المفاوضات... وقد ذهبنا من أجل الدفاع عن  الأردن والمصالح الأردنية والقضية الفلسطينية. وقلت إننا وعلى مدى العقود التي مرت منذ قيام دولة إسرائيل عام 1948م كنا نصف إسرائيل بالدولة المزعومة وقد تبين فيما بعد بأن الأمر هو غير ذلك؟... أما وقد فشلنا عسكرياً بالتصدي للعدو فهل نفشل سياسياً كذلك؟ نحن كعرب لدينا الحق التاريخي والدولي والحق الإنساني وحق الملكية... الخ نحن لم نذهب عنوة ولا من أجل اغتصاب حقوق الآخرين... بل إننا ذهبنا للدفاع عن حقوقنا وهذا ما يفعله الأردن منذ ذلك التاريخ... مؤتمر مدريد: عندما أتأمل نتائج مؤتمر مدريد للسلام بين العرب وإسرائيل وهل كان من الحكمة بأن يذهب العرب إليه أم لا فإنني أصل إلى نتائج متضاربة حتى في داخل نفسي؟ فعندما ذهبنا إلى مؤتمر مدريد كعرب وليس فقط كأردن أو فلسطين كان العالم العربي يعيش في حالة ضعف وفي حالة من الفرقة والتناحر والتشرذم وبالذات في ظروف تدمير العراق الذي بدأ سنة 1990م على يد الرئيس الأمريكي بوش الكبير واستمر الحصار عليه على مدى 11 سنة وتلى ذلك تدميره كاملاً عام 2003م على يد الرئيس الأمريكي بوش الصغير... العرب هم الذين عرّوا أنفسهم في المنطقة وفي العالم بسبب تفرقهم وعدم وحدتهم نظراً للعداء الحقيقي بين القيادات العربية ولا أقول الشعوب؟.... ولذلك فإن كل ما جرى بالعالم العربي بعد سنة 2003م هو نتيجة لهذه الأحوال المزرية لأمتنا.... وفي عام 2004م – 2005م ذهبت كأستاذ زائر إلى جامعة أكسفورد في بريطانيا وألقيت محاضرات هناك... وأذكر أثناء محاضرة قمت بإلقائها بمعهد الدراسات الإسلامية بجامعة أكسفورد حينما سئلت: هل ربح الغرب الجولة بعد أن تم تدمير العراق؟... فقلت: بالطبع الغرب ربح والعرب خسروا لأن الهدف هو تدمير العراق وتفتيتها وهذا ما حصل وهذا ما تريده إسرائيل والغرب. عندما نتحدث الآن فعن أي عراق نتحدث؟... العراق الذي كنت أعرفه قبل 10-20 سنة يختلف عما هو عليه الآن... اليوم هناك شيء آخر علما بأن الصورة النهائية للعراق لم تظهر بعد.... العراق كدولة مستقلة وموحدة ومتماسكة قد انتهى... قامت الدولة الكردية وتفتت العرب إلى سنة وشيعة...  لذلك كان من الضروري أن ينعقد مؤتمر مدريد، وكان من الواجب علينا أن نذهب، أقول ذلك لأنه لا يوجد بديل آخر للعرب فلا بد لهم أن يشاركوا بالعملية السياسية بدءاً بمدريد... الإفلاس العسكري والسياسي العربي هو ما قادنا إلى مدريد. مؤتمر مدريد لم يفشل بعد لأنه لا زال عملية مستمرة أو ما يسمى بـ The Peace Process حيث ذهب السلام Peace وبقي The Process فهو يمشي ويطحن يوما بعد يوم دون نتيجة ولصالح إسرائيل، إذ واضح أنه منذ ذلك التاريخ لم تتزحزح إسرائيل عن مخططاتها... وعندما أتذكر قول شامير إنه يتمنى أن تستمر مفاوضات السلام لمدة 10 سنوات (على الأقل) وأن لا تتمخض عن شيء كان يعني ما يقول... كان في ذهنه مقولة جابوتنسكي في العشرينات من القرن الماضي والمخططات الصهيونية منذ مؤتمر بازل سنة 1897م التي تقول بأن فلسطين كل فلسطين لليهود وربما أجزاء أخرى من الوطن العربي لا ندري أبعادها حتى الآن. نحن نعرف بأن الحدود السورية الإسرائيلية في الجولان منذ حزيران عام 1967م حتى بداية تفتيت سوريا قبل 3 سنوات... نعرف بأن عصفوراً لم يكن يجرؤ أن يعبر هذه الحدود دون أن تعلم به المخابرات والدولة السورية... ونعرف أن سوريا لم تهدد إسرائيل والحدود كانت آمنة بينهما.... فما الذي حدث بين ليلة وضحاها حتى أصبحت سوريا في ذهن إسرائيل تشكل خطراً كبيراً عليها؟... إن ما يجري في سوريا هو امتداد لعملية تفتيت المنطقة، والذي فضح هذا المخطط هو شخص كان يعمل بوزارة الخارجية الإسرائيلية اسمه (عودد يينون) الذي قام بعام 1981م بنشر مخطط تفتيت المنطقة كاملاً والذي يشمل حتى مصر، والعراق، وسوريا، والسعودية، والأردن، وحتى تركيا... هذا المخطط واضح ومعروف بالنسبة للقيادات العربية التي تعرف عنه وقد تم نشره، وكتب عنه عدد كبير من المثقفين... أنا كتبت عنه وكذلك الأستاذ حسن نافعة في مصر... وتعرف القيادات العربية أو كان يجب أن تعرف إن هذا الموضوع جدي وليس اجتهاداً من شخص يعمل في وزارة الخارجية الإسرائيلية... الدليل على ذلك بأنه قد أعاد نشره أحد الأساتذة اليهود المعروفين وأسمه الأستاذ إسرائيل شاحاك الذي كان أستاذاً في الجامعة العبرية والذي أعاد نشر هذا المخطط ونشر استنكاراً له... حيث أن هذا الشخص كان يدعو إلى سلام عادل بين الفلسطينيين والإسرائيليين... واضح لنا نحن العرب قيادات وشعوباً بأن هناك مخططاً إسرائيلياً لتفتيت المنطقة مرة أخرى بعد أن تم تفتيتها في أعقاب انهيار الأمبراطورية العثمانية وتنفيذ وعد بلفور وسايكس بيكو من قبل الغرب، والسؤال الذي أطرحه دوما على نفسي: "وإذا ما كانت الحدود بين اسرائيل وسوريا غير مهددة وآمنة منذ عام 1967م فلماذا عملت من خلال أصابعها الخفية والظاهرة على تفتيت سوريا؟ والجواب باعتقادي بأن إسرائيل تريد بعد أن يتم تفتيت سوريا ضم منطقة الجولان لأراضيها، وتعلم إسرائيل أنه طالما كان هناك دولة سورية متحدة ومتماسكة تطالب بها فلا بد وأن تعود لها حسب القانون الدولي... أما إذا تم تفتيت سوريا إلى (3-4 دول) فمن سيطالب بالجولان؟ وستتم خسارة الجولان كما خسرنا الإسكندورن سابقاً... إن ما يجري الآن على الساحة السورية يؤيد القول بأن إسرائيل تريد تفتيت سوريا حيث يجب أن ننتبه ان ضرورة الدفاع عنها ليست للدفاع عمن يستلم الحكم فيها إذ هذا شأن داخلي للسوريين أن يبتوا فيه لاحقاً، الدفاع هو عن وحدة سوريا وأهمية الجولان ليست بسبب ما يحتويه من مصادر المياه التي تغذي إسرائيل ولكن السبب موقعه الإستراتيجي العسكري المطل على كل من سوريا والأردن وفلسطين ولبنان. أما بالنسبة إلى تقييم أداء الوفد الأردني بالمفاوضات فلا بد أن نميز بين نوعين في الوفد الأردني... وفد المفاوضات الثنائية بدءاً بمدريد حيث كان وفدنا يتكون من (14 مشارك) وقد قام بمهمته على أفضل وجه نظراً لاحتوائه على كفاءات عالية فيما يتعلق بمواضيع المياه وتاريخ المنطقة والصراع والقدس والحدود واللاجئين الموضوع ذي الأهمية القصوى خاصة للأردن وفلسطين... كان الدكتور عبد السلام المجالي رئيس الوفد الأردني للمفاوضات يرسل تقارير يومية عن سير المفاوضات (كل يوم بيومه) إلى وزير الخارجية في نهاية كل يوم وكان مواظباً على إرسال تقارير بأدق التفاصيل وبمهنية عالية عما دار من كلام وأحاديث... وبوصفي وزيراً للخارجية كنت أقوم بإرسالها مع ملاحظاتي إلى الديوان الملكي ورئاسة الوزراء. أما بالنسبة للمفاوضات متعددة الأطراف فقد كان يتم تشكيلها حسب الموضوع: اللاجئون، والقدس، والمياه، والحدود، والشؤون الاقتصادية....الخ... ولم يكن هناك تاريخ ولا موعد ولا مكان محدد لها إنما كان يتم انعقادها حسب برنامج كل موضوع... فتقوم النرويج عادة بالإشراف والدعوة على كل ما يتعلق بشؤون اللاجئين بالتنسيق معنا ومع الفلسطينيين... اليابان مثلاً كانت تتولى المفاوضات التي تتعلق بالأمور الاقتصادية... ولم يكن موعد محدد ولا مكان محدد لها إنما كانت هذه المفاوضات تجري كما أسلفت سابقاً بالاتفاق مع الدولة المضيفة لها. وكنت حريصاً دائماً قبل أي إجتماع سواء انعقد في مدريد أو في أوسلو أو طوكيو أو في أي مكان آخر أن أقوم بالإجتماع مع الوفد الأردني المفاوض عدة مرات لنتحدث بشأنه وللتحضير لهذه المواضيع وتنظيم الوثائق الضرورية لذلك اللقاء... في الوفد الأردني كان هناك أشخاص يقومون بإعداد محضر الإجتماع... مثلاً موضوع المياه كان يقوم بالإشراف عليه الدكتور منذر حدادين وهو يعتبر من خيرة الخبراء بموضوع المياه ليس فقط في الأردن وفلسطين وإنما بموضوع المياه في منطقة الشرق الأوسط والأحواض المائية لأنهار النيل ودجلة والفرات وغيرها فهو خبير دولي ومتخصص بذلك... أما بالنسبة لموضوع الحدود والحد من الأسلحة والذي كان أحد المواضيع المطروحة كان الدكتور عبد الله طوقان من الوفد الأردني خبيراً متميزاً بهذا الموضوع... وبالنسبة لموضوع القدس كان المختص بذلك هو الدكتور وليد الخالدي... وفي كل هذه الأمور كان للدكتور عون الخصاونة دور في غاية الأهمية نظراً لتجربته القانونية سواء في موضوع المياه أو القدس أو الحدود أو اللاجئين أو أي مواضيع أخرى...الخ. قبيل الإجتماعات كنت أجتمع بالوفد الأردني ونتشاور بما يجب أن تكون وجهة النظر الأردنية بالمواضيع المطروحة والاتفاق على الخطوط العريضة للسياسة الخارجية العامة للأردن حيث أنه بعد مرور شهر أو شهرين تبين أن هناك بعض الاختلاف في تصريحات رؤساء الوفود حيث يبدي الوفد في أوسلو رأيا يخالف رأي شخص آخر من الوفود أو رأي آخر لوفد ومنه مختلف عن القدس أو اللاجئين أو غيره. ... الرأي السياسي والمرجعي كان دوماً بالطبع إلى جلالة الملك الحسين بن طلال.... وهنا أريد أن أشير إلى موضوع بغاية الأهمية حيث كان يتم توجيه أسئلة لي دوماً بهذا الموضوع إذ كان طلابي أو أشخاص كثيرون يسألونني: وزير الخارجية الأردني ما هو أهميته وما هو دوره.... وهذا سؤال مهم جداً... وللإجابة على هذا السؤال كنت أقوم بأن من يضع الخطوط العريضة للسياسة الخارجية لأي دولة بالعالم ويتحدث باسمها هو بالدرجة الأولى رئيس الدولة... وإذا ما تحدثنا عن أمريكا مثلاً بذلك الزمن وتساءلنا: "من يضع الخطوط العريضة لسياسة أمريكا؟" فالجواب على ذلك: جورج بوش الكبير... وإذا قلنا من يضع الخطوط العريضة لسياسة أمريكا الخارجية الآن؟ الجواب: الرئيس أوباما... ومن الذي يشرف على سياسة فرنسا الخارجية؟ الجواب الرئيس الفرنسي أولاند... ومن يضع الخطوط العريضة لسياسة ألمانيا الخارجية؟ الجواب بالطبع المستشارة ميركل والحال هو كذلك بالنسبة للأردن حيث منذ تأسيس الدولة الأردنية الحديثة عام 1921م كان المشرف على سياستنا الخارجية هو الملك المؤسس عبد الله الأول ابن الحسين ثم جلالة الملك طلال بن عبد الله ثم جلالة الملك الحسين بن طلال... واليوم من يشرف على سياسة الأردن الخارجية هو جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، والملك أو رئيس أي دولة بالطبع يستشير رئيس الحكومة وقائد الجيش ووزير الخارجية... وربما يسستشير مدير المخابرات أو أي شخص آخر قد يكون رأيه مفيداً مثل رئيس مجلس الأعيان ورئيس مجلس النواب... وكذلك الصحافة والإعلام... السياسة الخارجية لا تجري في فراغ وإنما ضمن مجتمع متكامل... ونحن في الأردن والحمد لله سواء في عهد جلالة الملك الحسين بن طلال (طيب الله ثراه) أو في عهد جلالة الملك عبد الله الثاني فإن الأمور تتم مناقشتها بكل موضوعية... وظيفة وزير الخارجية الأردني أو غيره من وزراء الخارجية في العالم في هذه الأحوال هي المشاركة في وضع السياسة الخارجية أولاً ويقوم بشرح هذه السياسة ويدافع عنها بالداخل أو الخارج سواء بالأردن أو أمريكا أو فرنسا لاحقاً...الخ. وحيث أن المسؤولية بالحكومة هي مسؤولية جماعية فمن الطبيعي القول إنه عندما يتحدث وزير الخارجية فإنه لا يتحدث عن نفسه أو رأيه بل إن تصريحه أو حديثه يعكس سياسة الدولة بذلك الموضوع في تلك اللحظة... أما عن السؤال وهل كان مؤتمر مدريد والمفاوضات مضيعة للوقت؟ أقول إن هذا الأمر خاضع لعدة تفسيرات... وإن إجابتي عليه بالطبع هي بالنفي. إن مؤتمر مدريد للسلام وما تلاه من مفاوضات لم تكن أبداً مضيعة للوقت... ربما هذه المفاوضات لم تعط أُكلها ولم تعط النتائج المرجوة مباشرة خلال فترة قصيرة من الزمن ولكنها ضرورية للدفاع عن مصالحنا، ولعل الضعف والوهن العربي الذي لم تشهده الأمة عبر تاريخها حيث تشتت إلى ما أصبح يعرف بعرب الأمريكان وعرب الاتحاد السوفيتي أو روسيا اليوم هو السبب خلف طرحه، إن الشرذمة العربية واختلال الميزان العسكري مع إسرائيل يقف كذلك خلف طرح مثل هذا السؤال، وعلينا أن نتذكر إن الميزان العسكري بين الدول العربية وإيران مختل ولصالح إيران، وعلينا أن نتذكر إن لدينا قضايا عالقة مع إيران وبالذات ما يتعلق بجزر الطمب الصغرى والطمب الكبرى وأبي موسى، وأن نتذكر إن الميزان العسكري مع تركيا مختل لصالحها... ولا أعتقد أن هناك بصيص من أمل على مدى المستقبل المنظور أن يتعدل الميزان لصالح العرب مع أي دولة من هذه الدول. مثل هذا الحال المختل لصالح إسرائيل تبقى وزارة الخارجية أحد أهم أذرع الدفاع عن المصالح الوطنية وبالذات من أجل الشرح والدفاع عن رؤيا رئيس الدولة جلالة الملك الحسين بن طلال (رحمه الله)... والآن جلالة الملك عبد الله  الثاني يقضي جزءاً كبيراً من وقته وحياته كما كان حال والده دائماً متنقلاً بالطائرة في عواصم العالم، يوما بمدريد ويوماً بواشنطن ويوماً بالدوجة ويوماً آخر بالقاهرة للدفاع عن الأردن وفلسطين وقضاياهما.
 
 

nayrouz.com

عند العثور على خطأ في النص يرجى الضغط على زر Ctrl+Enter وإرساله إلينا

یجب الاستناد بالارتباط التشعبي إلى Eurasia Diary في حالة استخدام الأخبار

تابعنا على الشبكات الاجتماعية:
Twitter: @EurasiaEreb
Facebook: EurasiaArab


Загрузка...