«سد النهضة» .. الحلقة الأخيرة من مسلسل حقد دفين تاريخي ضد مصر | Eurasia Diary - ednews.net

9 أغسطس,


«سد النهضة» .. الحلقة الأخيرة من مسلسل حقد دفين تاريخي ضد مصر

العالم A- A A+
بقلم – محمود سعد دياب
كنت لا أريد أن أتحدث في هذه القضية منذ فترة، ولكن الظروف والأحداث المتلاحقة دفعتني دفعًا للحديث عنها، هي قضية العصر "سد النهضة" وهو سد جاء نتيجة حقد وكراهية يكنها بعض الإثيوبيون ولا أقول كل الشعب ضد مصر وأهلها، هذا الحقد له أبعاد تاريخية كبيرة أبعد من توقيت سد النهضة ..
 
إن السد العالي ومن قبله سد أسوان لم يكونا السدود الأولى التي يقام على نهر النيل، لكن عمر السدود المصرية على النيل من عمر الحضارة المصرية القديمة الضاربة في عمق التاريخ.. وفي السطور التالية سوف أشرح بعض التفاصيل قد تكون غائبة عن البعض.
حقد من 5 آلاف سنة
 
إن تاريخ الكره الذي يكنه الإثيوبيين تجاه مصر ليس عمره 150 سنة كما يقول البعض، لكنه يقترب من 5 آلاف سنة تقريبًا في عهد الملك المصري نارمر، فمع بدء الزراعة والري في أرض الكنانة تولدت لدى الملك نارمر فكرة إنشاء سد كوشية جنوب مدينة منف أو ممفيس عاصمة مصر القديمة وقتها، وكوشية اسم القرية التي أقيم فيها السد الذي جاء بارتفاع 15 متر وطول 450 متر وتم بناءه من التراب المدكوك المحاط من الجانبين بالصخور الصلبة، بهدف تحويل مياه النيل من الشرق للغرب بهدف توسيع الرقعة الزراعية وزيادة الإنتاج الزراعي، ووقتها أبناء الحبشة ومملكة قوش اعترضوا على السد وقالوا إن السد سيضر بالنيل، رغم كونه يقع على أرض مصر بلد المصب، وعندما قيل لهم إن النيل الذي يجري من أراضيهم في المنبع لن يتأثر سلبًا بما يحدث من مشروعات مائية على أرض دولة المصب لم يقتنعوا إلا بعد فترة.
 
في زمن احتلال الهكسوس للجزء الشمالي من كيميت أو مصر القديمة، تواصل الأحباش مع الغزاة وساعدوهم من الجنوب لإثارة القلاقل في الجزء الغير محتل بالجنوب واستولوا على أجزاء منه، حتى جاء الملك أحمس وطرد الهكسوس وهزمهم شر هزيمة ثم تفرغ لتأديب الأحباش والكوشيين في الجنوب واستعاد منهم الأراضي المحتلة.
 
السد الثاني كان في عصر الملك أمنمحات الثالث من الأسرة الـ12 وكان اسمه سد اللاهون بالقرب من الفيوم وتكون خلفه بحيرة موريس التي كانت تستوعب الفائض من المياه وقت الفيضان، وهي البحيرة المتبقي منها الآن بحيرة قارون الشهيرة، وقتها كرر الأحباش اعتراضهم لكن بطريقة أكثر حقدًا فأنشأوا خزانات مياه على أراضيهم بهدف تقليل حصة مصر القادمة من المياه، حتى تسببت رواسب الطمي في ملء الخزانات التي سرعات ما انهارت.
 
التحرك الحبشي الرابع ضد مصر حدث في عهد الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله، حيث غيروا مجرى النيل الأزرق وتوقف النيل عن الزيادة ما سبب القحط والغلاء والمجاعات، وعندها أمر الحاكم الفاطمي بطريرك الأقباط أن يتوجه إلى الحبشة ليعرض على النجاشي "منصب سياسي وقتها يعبر عن حاكم الحبشة" ما وقع على مصر من ضرر، فما كان من الأخير إلا أن أمر بفتح سد عندهم يجرى منه ماء النيل إلى مصر، وذلك إكراما لمسعى البطريرك، فزاد النيل فى تلك السنة زيادة قوية حتى أوفى.
 
أما التحرك الخامس فكان وقت الاحتلال العثماني، حيث حدث تواصل بين الغازي العثماني سليم الأول والأحباش بهدف احتلال العثمانيين مصر وإنهاء سيطرة دولة المماليك على طرق التجارة بالبحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن، والسماح للقراصنة الإثيوبيين بأن يصولوا ويجولوا في تلك المنطقة لنهب السفن المارة وقوافل الحج، فضلا عن إنهاء سيطرة مصر على اليمن التي يتعبرونها امتدادهم الطبيعي منذ عهد أبرهة الحبشي.
 
والتحرك السادس عندما غضب الإمبراطور هيلا سيلاسي من عبد الناصر بعد تدشين مشروع السد العالي، لأنه كان يرى أيضًا مثل أجداده في عهد نارمر أنه سيضر بمصالح إثيوبيا، واستغل الخلاف بين ناصر والولايات المتحدة وقتها واستدعى مكتب الاستصلاح الأمريكي -بالتزامن مع قيام مصر ببناء السد العالي وسط رفض إثيوبي وغربي- لكي يقوم بدراسات حول إمكانية إقامة مشروعات كبري على النيل الأزرق خلال خمسينات وستينات القرن الماضي من بينها قيامه بمسح للأماكن التي تصلح لبناء السدود وحدد لذلك 26 موقعا أهمها 4 سدود على النيل الأزرق الرئيسي، والجدير بالذكر أن سد النهضة الحالي كان أحد هذه السدود الأربعة وحمل في هذه الدراسة اسم«سد بوردر Border»، غير أن تلك التوصيات لم تنفذ وقتها.
 
أما التحرك السابع فكان خلال حادث محاولة اغتيال الرئيس الأسبق حسني مبارك على هامش حضوره القمة الإفريقية بأديس أبابا عام 1995، حيث كان وراءه أطراف إثيوبية وسودانية إخوانية قريبة من الرئيس السوداني وقتها عمر البشير، وكانت الحادثة بعد عامين فقط من توقيع اتفاقية بين مصر وإثيوبيا في عهد مليس زيناوي عام 1993 تلتزم فيها إثيوبيا بعدم إقامة أية مشاريع على النيل الأزرق أو بحيرة تانا تضر بمصر أو السودان، وبعد الحادث اعتبرت إثيوبيا الاتفاقية حبرًا على ورق ورفضت الالتزام بها.
 
التحرك الثامن عندما رفضت إثيوبيا توقيع الاتفاق الإطاري للأمم المتحدة عام 1997، بشأن المجاري المائية العابرة للحدود، لأنها تعتبر الأنهار العابرة للحدود أناهر دولية ليس من حق دول المنبع اتخاذ أي قرار أو إقامة مشروعات عليها إلا بالاتفاق والتشاور مع الدول المتشاركة في النهر، وتحفظت مصر على التوقيع طالما أن بعض دول المنابع لم توقّع على قانون الأنهار الدولية، لأنه ينفي ما تروجه إثيوبيا عن أمور تتعلق بسيادتها على نهر النيل، ويؤكد أن جميع الدول لديها نفس حقوق السيادة على النهر المشترك.
 
أما التحرك التاسع وقبل الأخير هو اتفاقية عنتيبي 2010 والتي مثلت ضربة قاصمة لجهود التوافق بين دول الحوض، لم تلبث أن أتبعتها أثيوبيا بخطوة استفزازية أخرى حين قررت وضع حجر الأساس لبناء «سد النهضة»، وسعت أديس أبابا من خلال تلك الخطوات إلى فرض أمر واقع جديد يتيح لها سيطرة أكبر على النهر، مستغلة الأوضاع السياسية المضطربة في مصر بعد ثورة يناير 2011، وسفر وفد غير رسمي شعبي مصري محسوب على الثورة أعلن موافقة مصر على السد نكاية في الرئيس مبارك، فضلا عن اللقاء الفضيحة المذاع على الهواء وقت حكم الرئيس الراحل محمد مرسي والذي لوح فيه من ليس لديهم أي خبرة في التعاملات الدولية والدبلوماسية باستخدام الحل العسكري لضرب السد على غير الحقيقة، وهو اللقاء الذي استغلته الحكومة الإثيوبية بقيادة مريام ديسالين رئيس الوزراء، واستكملت الصورة الذهنية لدى شعبها عن مصر بأن المصريون يريدون ضربكم عسكريًا وذبحكم، وهكذا دفعوا المواطنين إلى المشاركة في بناء السد بجزء من رواتبهم يقترب من 15%، حتى يصبح السد بالنسبة لهم مسألة حياة أو موت، وورقة يستخدمها الحاكم في أن يلتف الشعب حوله في حالة وجود حروب وصراعات عرقية كما جرت العادة منذ آلاف السنين.
 
مصر العدو التاريخي
إن الحكومة الإثيوبية تقدم مصر على إنها عدو تاريخي حاربهم وأذاقهم مر الهزيمة منذ عهد أحمس وأمنمحات الثالث وتحتمس الثالث، ولكنهم نسوا أو تناسوا أن يقولوا أن حروب حكام كيمت القديمة ضدهم لم يكن عدوانًا بل كان لرد عدوان واسترداد أجزاء من الأراضي المصرية احتلها الأحباش وقت ضعف الدولة واضمحلالها، يقنعونهم بأن مصر استغلت الإدارات السابقة والحكام المتعاقبين وسرقت مياه النيل وأنشأت ثورة زراعية وإنتاجية تخطت الآفاق منذ عهد المصريون القدماء، لدرجة أن مصر تزرع ثلاث مرات في السنة وتحصد ثلاث مرات ويتمتع أهلها بالكهرباء ومياه الشرب، ونسوا أو تناسوا أن ذلك بفضل الإدارة الرشيدة لاستخدام الموارد المائية وتنظيم الزراعة، وبسبب وجود صراعات عرقية وقبلية مستمرة في إثيوبيا على مدار الزمان منعتها من تحقيق التنمية المنشودة.
 
انتصار عسكري وحيد له ظروف خاصة وبقيادة غير مصرية
يتشدقون بانتصار عسكري إثيوبي وحيد في عهد الخديو إسماعيل لكنه كان في حرب غير متكافئة بالمرة، حرب سار من أجلها الجيش من أقصى الشمال في القاهرة حتى قرب منابع النيل في هضبة الحبشة، حتى وصل منهكًا فكان من السهل هزيمته من جيش يقوده جنرال بريطاني هو الكولونيل كيركهام الذي عينه الإمبراطور الحبشي يوحنا الرابع قائدا للقوات المقاتلة للجيش المصري، وهي الحرب التي قامت لمنع الأحباش من الاستيلاء على ميناء زيلع المصري والذي يقع في دولة أرض الصوال "صوماليلاند" على خليج عدن المجاور كان قد ضمه محمد علي باشا عام 1921، بالإضافة إلى مناطق أخرى في القرن الإفريقي وإريتريا، وهي أيضًا الحرب التي خاضها الجيش المصري بقيادة ضباط أوروبيين وأمريكيين، من المنتمين لولايات الجنوب والذين غادروا بعد انتهاء الحرب الأهلية الأمريكية، والأمر سيكون مختلفًا إذا كانت القيادة مصرية خالصة .
 
ومن المعروف أن مصر في قضية سد النهضة لا تواجه إثيوبيا وحدها، ولكنها تواجه قوى دولية وإقليمية معادية لمصر، ترغب في تركيعها وتعطيش شعبها بهدف ضرب جهود التنمية التي تجري على كل شبر فيها من الشمال للجنوب ومن الشرق للغرب، وأول تلك الدول دولة الكيان الصهيوني التي استغلت حقد الإثيوبيين التاريخي على مصر، ووجهته لبناء سد قد ينهار في أي وقت، بهدف الضغط على مصر حتى تمنحهم مياه النيل عن طريق سيناء كي ترتوي أراضي المستوطنات بمياه النيل بدلا من المياه المعالجة والمحلاة التي تكلفهم كثيرًا، فضلا عن تركيا التي وقعت مع أديس أبابا اتفاقيات دفاع مشترك عام 2013.
 
أديس أبابا تصر دائمًا على البحث عن حجج وتزوير التاريخ كي تتمكن من البدء في ملء السد، ودفع مصر إلى تدخل عسكري يكون مسمار جحا الذي تمر منه تلك القوى الظلامية لتدمير مصر بحجة اعتدائها على جيرانها، وهو الفخ الذي وقع فيه الرئيس العراقي الراحل صدام حسين والدرس الذي استوعبته مصر جيدًا وقررت أن تتخذ من الصبر سلاحًا مع سلوك كافة المسالك السلمية.
 
تاريخ سيئ في إدارة المياه
إثيوبيا لديها تاريخ سيئ في إدارة المياه على نهر الأومو وبحيرة تركانا، مع كينيا والصومال، أدت إلى كوارث ومجاعات في الدولتين ومصر ليست مستعدة لأن تخوض المغامرة وتكرر ما حدث في عهد الشدة المستنصرية أو في عهد الخليفة الفاطمي الحكم بأمر الله، تلك النوايا السيئة التي ترافقت مع تصريحات أصدرها أبي أحمد رئيس الوزراء الإثيوبي بأنه يستطيع تسيير مليون جندي لمحاربة الجيش المصري رغم حصوله على جائزة نوبل للسلام.
 
سد أنشأ لينهار
قامت إثيوبيا بتركيب أكثر من 16 توربينًا لتوليد الكهرباء في جسم السد، دون أن تقوم بإنشاء شبكة الاتصال والبنية التحتية التي تنقل تلك الكهرباء أو تجهيز مكان جيد للبحيرة المتوقع أن تتجمع خلفه، فضلا عن أن السد عوامل الأمان فيه ضعيفة جدًا ويقع على فالق صخري وفقًا لخبراء جيولوجيون قد يتسبب في انهياره مع أي ضغط مائي، فضلا عن بعد مكان السد والبحيرة غرب إثيوبيا من الأراضي الصالحة للزراعة شرقي البلاد، وإذا كانت إثيوبيا يهبط عليها 966 مليار متر مكعب من المياه سنويًا وتمتلك 11 نهرًا، غير النيل الأزرق، تستطيع استخدامهم لتوليد الكهرباء، وبتكلفة أرخص من بناء هذا السد، كما أنه إذا كانت تريد بناء السد لتوليد الكهرباء، لماذا قامت بإنشاء سد على النيل الأزرق في منطقة بعيدة عن أماكن الزراعة لكي تنازع مصر في حصتها البالغة 55 مليار والسودان 18 مليار، رغم أن المصريين يحتاجون على الأقل 100 مليار متر مكعب للوصول إلى نصيب من المياه للفرد الواحد تقترب من حد الفقر المائي المحدد عالميا، خصوصًا وأن حصة مصر التاريخية من مياه النيل 55.5 مليار متر مكعب حصة ثابتة منذ أن كان تعداد المصريين نحو 20 مليون نسمة.
 
فخ صدام حسين
إلا أنها لها أهداف أخرى وترغب في إنشاء سد مرشح للانهيار بالقرب من حدود السودان، حتى تجر مصر قبل ملئه إلى ضربة عسكرية مماثلة لما حدث في عهد الرئيس السادات تكتسب منها تعاطف دولي وتساعد الدول المعادية لمصر في تنفيذ مخططاتها ضدها مثلما حدث مع الرئيس العراقي صدام حسين عندما وقع في فخ الكويت، أو ملئه حتى الانهيار وإغراق السودان بالكامل وضرب السد العالي حتى ينهار.
 
أثق في قدرة مصر في عهد الرئيس السيسي على الوصول بقضية سد النهضة إلى بر الأمان، فلقد أنهى الرجل عصر الشقاق بين مصر والقارة الإفريقية، وعادت القاهرة بقوة لكي تكون حاضرة على كل الأحداث والفعاليات والمشروعات القومية بدول القارة وفي القلب منها دول حوض النيل، ولعل زيارة الرئيس الإريتري أفورقي إلى مصر في هذا التوقيت لهو رسالة قوية مفادها أن مصر تمتلك الكثير من أوراق اللعب، فضلا عن اتخاذ الحكومة خطوات وقرارات قصيرة وطويلة الأجل لتنمية الموارد المائية والحفاظ عليها مثل محطات معالجة وتحلية مياه البحر ومحطات معالجة مياه الصرف الزراعي واستخدامها في الزراعة، والحد من زراعة المحاصيل الشرهة للمياه مثل الأرز.
 
مصر تمد يدها بالسلام
إن مصر لن تدخل في صراع من إثيوبيا مستقبلا أو على مدار التاريخ في صورة الغازي المعتدي، وكانت دائما تدافع عن حقوقها، وإذا وضعت إثيوبيا أننا نعيش في منطقة واحدة ونتعرض لنفس المصير لن تواصل عنادها وستحل الأمور بشكل ودي مع مصر، وإذا كانت تريد التنمية وتوليد الكهرباء فإن مصر تملك من القدرة والخبرات التي تجعل الإثيوبيون يستغنون عن سد النهضة.
 
باختصار مصر لم تؤذِ أي دولة أخرى من قبل أو تعتدي على أي دولة طوال تاريخها، حتى أن رسالة السلام قد اتضحت في حديث الرئيس السيسي للإثيوبيين أمام برلمانهم عندما أعلن مد يده بالسلام والرغبة في المساعدة في جهود التنمية وقال إن مياه النيل بالنسبة لمصر "مسألة حياة"، ولم يقل إنها مسألة مميتة، ولم يلوح في خطابه لاعتداء أو حرب، ثم عاد ليؤكد للشعب والإدارة الإثيوبية إننا لا نريد إلحاق الضرر بكم، لا نريد استعماركم كما تروجون، كل ما نريده هو أن نتعاون معكم لتحقيق التنمية والسلام.
 

gomhuriaonline.com

عند العثور على خطأ في النص يرجى الضغط على زر Ctrl+Enter وإرساله إلينا

یجب الاستناد بالارتباط التشعبي إلى Eurasia Diary في حالة استخدام الأخبار

تابعنا على الشبكات الاجتماعية:
Twitter: @EurasiaEreb
Facebook: EurasiaArab


Загрузка...