الوضع في أرمينيا يتبلور، لكن ليس في صالح روسيا | Eurasia Diary - ednews.net

22 فبراير, السبت


الوضع في أرمينيا يتبلور، لكن ليس في صالح روسيا

مركز الأخبار التحليلية A- A A+

أوليغ كوزنتسوف، العالم السياسي والمؤرخ الروسي، حصرياً لـ Eurasia Diary

يتغير الوضع السياسي في أرمينيا بسرعة كبيرة، دون ترك أي فرصة لأي تحليل متعمق في صيغة مقال تحليلي وتفكيري. ولذلك نكتفي بإلقاء الأضواء على جانب واحد من القضية: لماذا لم تصدق السلطات الروسية أنها تفقد موقفها في هذا البلد لا رجعة فيه عمليا.

 في رأيي قد يكون الجواب على المستوي الإيديولوجي، حيث أن نموذج نظام إدارة أرمينيا من الخارج كان يبدو مثالياً تقريباً للكرملين، وبالتالي كان يعتمد على روسيا.بدت أرمينيا نموذجا للسيطرة الإدارية والبيروقراطية للكرملين، ولكنه  انهار خلال الأسبوعين فقط ودفن كل الأوهام حوله.

أخطاء روسيا

كان اعتبار هذا البلد خلال ما يقارب عقدين من الزمن كإحدى كيانات الاتحاد الروسي خطأً  من القيادة السياسية الروسية التي يمثلها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وما زال هذا النظر قائم.   

في روسيا نفسها كانت العلاقات بين الحكومة الاتحادية (أي الكريملين) والأقاليم في شكل الإقطاعية اابدائية، ولكنها لم تكن أقل فعالية وحتى عقلانية معتمدة على المبدأ السيطرة الثلاثية: على الموارد، وعلى البنية التحتية والنخب المحلية. وبما أن أرمينيا فقيرة للغاية ما لها الموارد الطبيعية ، فإن موردها الأساسي القابل للاستغلال هو سكانها العاملون في روسيا، واليوم  يعمل هناك ما يصل إلى 1.5 مليون مواطن أرميني كعمال مهاجرين. وعلاوة على ذلك، فإن أرباب عملهم هم أساساً من الأرمن الإثنيين الذين تحولوا إلى المسؤولين الروس رفيعي المستوى يحصلون على حصة الأرباح الكبيرة من استغلال المهاجرين من ذلك البلد.

اليوم، تمتلك الشركات التابعة للدولة الروسية (غازبروم، السكك الحديدية الروسية، روساتوم، وهلم جرا.) ما يقارب من كامل البنية التحتية في أرمينيا، والتي غير قادرة  على  ضمان الحياة الفقيرة  للسكان المحليين المتروكين في الواقع على حافة البقاء المادي. وكان قادة المجلس العسكري  الحاكم في أرمينيا من الجماعات المسلحة غير المشروعة من الانفصاليين الأرمن في قاره باغ الجبلية الموالية أيضا للكرملين التي باركت استيلاءهم على السلطة في البلاد في نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1999 بعد العمل الإرهابي في البرلمان الأرمني.

تجاهل هذا النظام الإداري التابع للكرملين سكان أرمينيا أنفسهم الذين كانوا في نظره  إما لبكماً دون مرفق لإدارة الحقوق أو مورداً للأرباح من خلال بيع الطاقة أو الخدمات العامة.

 تم استبدال الاعتناء الحقيقي للسلطات للرعاية الاجتماعية ورفاه السكان بالدعاية والأنشة غير الاقتصادية مثل تضخيم الهستيريا على التهديد الخارجي، وزيادة نفوذ الكنيسة بشكل مصطنع، تسييس دور الدين في الحياة العامة وبناء المجتمع الفاشي بجعل نظرية تسيكاركون (النازية الأرمينية) للجنرال الأرميني غاريغين نزده إلى أيديولوجية الدولة، والتضخم الهائل لعظمة التراث التاريخي شبه أسطوري غير القائم في الواقع.

كانت السلطات الروسية مرتاحة تماماً بهذا الوضع في بلد تابع  لها، بما أن نظام ومنهجية الإدارة العامة للحياة العامة في أرمينيا تتطابقان مع النظام الروسي، وبالتالي كان مفهوماً له. كانت الحكومة الأرمنية موالية لروسيا، وكان الناس صامتين تقريباً، وكان كل شيء في هذا البلد يبدو جميلاً ومزدهراً للكرملين. ولكن الشعب الأرميني فقط رفض تعايش مع السلطة المطلقة للمجلس العسكري لمجرمي الحرب ، ونظم بشكل دوري الاحتجاجات الاجتماعية في عام 2008، في عام 2015 وعام 2016. تتكرر هذه الاحتجاجات أكثر و على أوسع النطاق مع إضعاف قبضة السلطة على رقبته بسبب شح متزايد للموارد.

هل كان هناك التدخل من الغرب؟

وبطبيعة الحال، يعتبر كل هذه الاحتجاجات من "مكائد الغرب"، وخاصة للولايات المتحدة التي كان نهجها، بالتأكيد أكثر فعالية فيها، والأهم، أكثر صواباً من الناحية الاستراتيجية، في حين تعاملت موسكو مع النخب الأرمنية المأجورة والفاسدة، تعاملت واشنطن  مع الناس. كان الكرملين يدرك جيداً كم عدد المنظمات الأمريكية الحكومية وغير الحكومية التي عملت في السنوات الأخيرة في أرمينيا ، وكم عدد البرامج التي نفذتها في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. ومع ذلك ، فإن السلطات الأمريكية لم تخف هذا أبداً. نشر موقع الوكالة الأمريكية للتنمية (USAID) علناً تقارير حول نشاطها في هذا البلد. لكن في موسكو، لم يرد أحد على ذلك رداً مناسباً، واكتفت القيادة الروسية بالاعتماد على سركسيان والقاعدة العسكرية الروسية في جومري  التي لم يتبين  تأثيرها السياسي على الأحداث الأخيرة إطلاقاً.

على ما كانت سلطة سركسيان تعتمد؟

وقد اعتمدت قوة "عشيرة قرة باغ" في أرمينيا على الدعاية والعنف وتخويف الناس. ولكن بمجرد أن أنتقل جزء من القوات العسكرية التي استدعيت من قره باغ لقمع الاحتجاجات الاجتماعية أو أعمال الشغب الجماعية في يريفان إلى جانب المحتجين، تلاشت قوة الخوف. وسرعان ما تحول سيرج سركسيان نفسه وحاشيته من نجوم القدر الأول إلى رعشة كاملة، وكانوا في الواقع قبل صعودهم بفضل حرب قره باغ إلى أوليمبوس الحكم. في عام 2018 ، حدث نفس الشيء في أرمينيا كما حدث في إيطاليا في عام 1944، وفي ألمانيا في عام 1945: لوى الأرمن كشحهم عن النازي ساركسيان، كما لوى الإيطاليون ظهورهم عن الفاشي موسوليني والألمان عن النازي هتلر.

هل سيناريو "القرم" ممكن في أرمينيا؟

لا تملك روسيا اليوم أي إمكانية  للتأثير على الوضع في أرمينيا، من المستحيل تماما ممارسة سيناريو القريم لعام 2014 في أرمينيا. لا تتمتع روسيا اليوم بأدنى دعم اجتماعي في شخص السكان الروس (حيث تم تقليص عددهم بالكامل) أو السكان الناطقين بالروسية (الذين هاجروا لأسباب اقتصادية). في البلاد هناك شباب ، نشأوا بروح قومية، وفلاحون لم يكونوا، بحكم جهلهم ، قريبين من روسيا والثقافة الروسية.

كانت هذه العوامل معروفة للكرملين، لكن القيادة الروسية لم تعارضها بصورة نشطة، حيث كان الرئيس بوتين  والزمرة المحيطة له على ثقة في استقرار الحكم العسكري المكون من مجرمي الحرب الذين كان  أسلوب إدارة بلادهم متطابقاً تقريباً للحكم الروسي. ولذلك، حتى إذا تمت زيادة الوجود العسكري الروسي لدعم قاعدة وزارة الدفاع الروسية رقم 102 في جومري، ثم أنها لن تنجح، وهذا كان يعني معاداة الجزء الأكبر من السكان، كان ينظر إلي هذه المحاولة على أن موسكو تريد إبقاء السلطة المخلوعة خلال الاحتجاجات الاجتماعية من "عشيرة قره باغ" بالقوة. لذلك، لا يستطيع الكرملين يعمل شيئاً إلا أن ينتظر معجزة في شكل خطأ قاتل من قبل زعيم الاحتجاجات نيكول باشينينيان.  

لكن لا يجوز للسلطات الروسية أن تتوقع حطأ ما من زعيم المحتجين، لأنه لم يرتكب  أي خطأ بعد. طالما كان باشينيان متقدماً على الحكومة الحالية خلال فترة الاضطرابات السياسية كلها في أرمينيا ويقدم باستمرار المطالب التي لم تكن الحكومة مستعدة للإجابة عليها أبداً. بهذا المعنى، تعتبر كيفبة التعبير عن موقف القوى السياسية الأرمنية عشية انتخاب رئيس وزراء البلاد، المعين في 1 مايو مؤشراً لميزان القوى في البلاد.

توجه رئيس مجلس الوزراء بالنيابة كارابيتيان ووزير الخارجية نالبانديان مباشرة بعد الإعلان عن موعد الانتخاب في 26 أبريل الى موسكو "للتشاور"، حيث التقى على التوالي مع بوتين ولافروف. وبالعودة إلى يريفان ، لم يتمكنا من عرض أي بديل فكري واضح أو ملموس لمطالب المعارضة للجمهور. يبدو أنه لم يكن لدى القيادة الأرمينية الحاكمة  أي موقف واصح في هذا الصدد.  ولم تتمكن موسكو من إيجاد أي مخرج معقول ومناسب لهم واكتفت الخارجية الروسية  ببيان أن الوضع في أرمينيا تحت الإشراف التام.

من سيكون رئيساً جديداً للوزراء؟

أعلنت الأحزاب السياسية البرلمانية جميعها في أرمينيا في 28 أبريل، أنها ستدعم ترشح نيكول باشينينيان في الانتخابات المقبلة. حتى حزب داشناكستيون (ذي توجه قومي متطرف- مترجم)، الذي  كان لفترة طويلة ذنباً سياسياً للحزب الجمهوري الحاكم في أرمينيا أعلن دعمه له. لا يمكن وصف موقف الجمهوريين الأرمن في الوضع الحالي إلا بجبانة. وقالوا إنهم لن يرشحوا مرشحهم لمنصب رئيس الوزراء، ملمحين للجميع إلى  أن كارين كارابيتيان، صنيعة الكرملين وغازبروم  تنحى جانباً بهدوء للحفاظ على رأسه سليماً.

عموماً، لدي انطباع بأن " عشيرة قاره باغ"، التي خدمت روسيا  بإخلاص خلال ما يقراب من عقدين من الزمن، بعد أن خسرت اعتمادها على العنف أو استنفدت حدود الإيمان للشعب في إمكانية استخدامه لحماية حكمها، أنها قد انفجرت مثل فقاعة الصابون. في مقالاتي، لقد حذرت مراراً وتكراراً السلطات الروسية على مدى السنوات الخمس الماضية، في أنه لا يمكن أبداً الاعتماد على مجرمي الحرب وتقديم النفس لخدمة أنصار الإرهابيين الدوليين الذين لوثت أيديهم في دم الأذربيجانيين وغيرهم من المسلمين الأبرياء. يجب ألا يصافح الرئيس الروسي الأوغاد الذين  أمروا بقتل المدنيين في خوجالي، مهما كانوا مريحين ومفيدين.

وما بعد؟

نشاهد جميعاً استبدال النظام السياسي في أرمينيا. وهناك الأمل أنه بدلاً عن المسؤولين  من عصابات الإرهابيين الدوليين الذين انتقلوا تقريبا إلى الفناء السياسي في هذا البلد سيأتي السياسيون أكثر تقدميين معتدلين، ينتهجون السياسة الواقعية دون الاعتماد على الأيديولوجيات  المستخرجة من تسوس الماضي .

وبالتالي تتأكد الحقيقة البشرية العامة التي مفادها أنه من المستحيل إدارة الشعب الخاص أو أي شعب آخر كانه ماشية صامتة دون عقل وشعور من أجل ضمان الطموحات الخاصة أو ارتياح الشخصي. عاجلاً أم آجلاً لا محالة من أن يضيء الإحساس باحترام الذات البشرية مثل شرارة من الله. وبعد ذلك، كما كتب الكسندر دوماس الابن: "لا جيش في العالم قادر على الحيلولة دون الفكرة التي حان وقتها."

 

 

eurasiadiary.com

عند العثور على خطأ في النص يرجى الضغط على زر Ctrl+Enter وإرساله إلينا

یجب الاستناد بالارتباط التشعبي إلى Eurasia Diary في حالة استخدام الأخبار

تابعنا على الشبكات الاجتماعية:
Twitter: @EurasiaEreb
Facebook: EurasiaArab


Загрузка...