جئنا حفاة عراة.. أذربيجانيون يروون حكايات النزوح والرعب والأمل - ednews.net

الخميس، 1 ديسمبر

(+994 50) 229-39-11

جئنا حفاة عراة.. أذربيجانيون يروون حكايات النزوح والرعب والأمل

تحليلات ومقابلات A- A A+
على بعد ثلاث كلومترات من خط النار، ومن أمام بيتها المدمر الذي دَفنت فيه قذيفة أرمينية فلذة كبدها، جلست لاله زار حسنوفا تندب حظها العاثر وتروي حكايات النزوح والمعاناة والأمل.
لا تفتأ “لاله” ترسل طرفها بعيدا في الأفق ثم تنزله في مستقر الوادي أسفل قرية حسن قايا، حيث الخضرة والجمال، ثم ترجعه كَرّة مع التفاتة حزينة إلى بيتها المدمر، حيث دُفنت ابنتها ذات الـ16 ربيعا، في قصف عنيف للقرية نفذه الأرمن في أبريل 2016.
حكت “لاله” ذات الستين عاما عن كل المرارات التي قاستها أيام النزوح الطوال، وعن لحظات الفرار قبل نحو 30 عاما حين باغتهم الجيش الأرمني عام 1993 في قريتهم الوادعة في منطقة كلبجار، فاستحال الأمن خوفا وأيام الصفو إلى بؤس وشقاء.
تقول لاله، وهي ترسل زفرات بين الفينة والأخرى، “جئنا حفاة عراة بدون أي شيء وأقمنا في هذه القرية التي فر أهلها مع اقتراب الجيش الأرمني”، والتي لا تبعد حينها عن خط النار إلا كيلومترا واحدا. وقد اتسع الفاصل مع الجبهة، مع الحرب الجديدة 2020، إلى ثلاث كيلومترات.
ولا تبعد منطقة كلبجار، حيث مسارح اللهو ومعاهد الصبا، عن هذه القرية: حسن قايا، أكثر من 60 كلمترا ولكن الوصول إليها يتطلب سلوك طريق التفافي يصل إلى 450 كلمترا لتجنب قطاعات الجيش الأرمني، مع أن الحكومة الأذربيجانية لم تسمح بعد للنازحين بالعودة إلى قراهم، منتظرة تطهيرها من حقول الألغام التي زرعها الجيش الأرمني في كل مكان.
ولا تخفي “لاله” شعورها بالضيق من التساؤل عن أوجه الشبه بين حياتها في كلبجار وأيامها في قرية حسن قايا، وتقول “لا وجه للمقارنة بين حياتنا هناك في مسقط رأسي، حيث تتجمع سبعة أنهار في منطقة “صوقوفشان” -وتعني باللغة الأذربيجانية ملتقى المياه- وحيث جميع الفواكه التي تخطر على بالك، إنها الجنة، لم نكن نعرف معنى كلمة “سوق” حيث تتوفر لنا جميع الفواكه والخضار واللحوم والألبان في بيوتنا.. لا يمكن مقارنة ذلك بحياة البؤس هنا، حيث لا غاز تدفئة، وحيث المشاكل في التزود بالماء والكهرباء”.
وتضيف أن الأرمن قطعوا عنهم في عام 1996 مجرى نهر ترتر الذي يمر عبر كلبجار، “فاستحالت حياتنا إلى جحيم”.
ولا يختلف وضع لاله زار حسنوفا عن مآل كثير من قريناتها في هذه القرية، فهذه جوليات حسنوفا ذات الـ39 ربيعا، النازحة من قريتها كلبجار في “عمليات تطهير عرقي على يد الأرمن” عام 1993، وقد أصابتها قذيفة مدفع تسببت لها بعمى في إحدى عينيها وبإصابات بالغة في بطنها، وأضحت تصاب بنوبات إغماء، وقد خضعت لعمليات إنبات شعر بعد أن اقتلعت القذيفة منابت شعر رأسها كليا.
تقول جويليات -وهي أم لطفلين وزوجها نازح من لاتشين وقد قتل في عام 2014 بسبب ارتطامه بلغم أرضي- إن الحادثة وقعت لها وهي في حالة فرار على رجليها بعد أن تعرضوا لقصف مدفعي أثناء الحرب الأخيرة 2020، أدى لتدمير كلي لبيتها.
وتنتشر قرى النازحين على مناطق واسعة من قراباغ، لم تخضع للاحتلال الأرمني، وفي غيرها من مناطق أذربيجان. وفي ضاحية محافظة ترتر على بعد 327 كلمترا من العاصمة باكو مررنا على 34 بناية يعيش فيها 5300 شخص جميعهم نازحون، في أنموذج لتلك التجمعات السكنية المنظمة التي بنتها لهم الدولة.
وتقدر الحكومة الأذربيجانية عدد النازحين الفارين من ديارهم في حرب قراباغ الأولى بنحو مليون شخص.
وينشط المجتمع المدني في مساعدة النازحين. وتقوم مؤسسة أوراسيا الدولية، فضلا عن مكافحة الألغام، بدور اجتماعي كالتدريبات المهنية، مثل دورات الخياطة والحلاقة والطهي والكومبيوتر، ومساعدتهم في ابتداء مشروعات صغيرة، وفق ما يقوله لمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسان، مدير المكتب الإقليمي للمؤسسة في منطقة قراباغ، أوغوز أومود.
وقد استحمكت حلقات الصراع ذي الجذور الممتدة لعشرات السنين مع هجومين أرمنيين رئيسين في 1992 و1993، وقتل فيهما حوالي 30 ألف شخص، وأصبح مئات آلاف الأذربيجانيين في عداد النازحين. وازداد اشتداد وطأته مع الحرب الأخيرة في عام 2020.
لكن تلك الحرب بمعطياتها الميدانية التي رجحت كثيرا لصالح أذربيجان -بفعل الدعم التركي الذي يشيد به الجميع هنا- أتت بآمال عراض للناحين، حيث تحررت العديد من مدنهم وقراهم، ومنها كلبجار ذاتها.
وتقول لاله زاره حسنوفا إنها، رغم ما قاسته، تنظر الآن بشيء من الأمل، إلى الحياة، بعد الحرب الأخيرة. وهذا الشعور ذاته تشاطرها فيه جوليات حسنوفا، التي تقول إنها تعيش على أمل العودة، وإنها مستعدة للعودة إلى موطنها “ولو على ركبي”، وإنها لا تنتظر إلا إشارة من الحكومة بأن الأرض أضحت آمنة.

 

محمد غلام



عند العثور على خطأ في النص يرجى الضغط على زر Ctrl+Enter وإرساله إلينا

یجب الاستناد بالارتباط التشعبي إلى Eurasia Diary في حالة استخدام الأخبار

تابعنا على الشبكات الاجتماعية:
Twitter: @EurasiaEreb
Facebook: EurasiaArab
Telegram: @eurasia_diary


Загрузка...