انحطاط الغرب لم يكن مفاجأة على الإطلاق | Eurasia Diary - ednews.net

24 اكتوبر, الخميس


انحطاط الغرب لم يكن مفاجأة على الإطلاق

المؤرخ ديفيد إنجلز قلق من تعفن الحضارة الأوروبية

حوارات صحفية A- A A+

يشعر المؤرخ ديفيد إنجلز (David Engels) بالقلق من انحطاط الحضارة الأوروبية ويشارك أفكاره وتوصياته لمن يحب الغرب. يقارن الانحدار الحالي لأوروبا بالأزمة غير المسبوقة للجمهورية الرومانية في القرن الأول. ثم استقر الوضع على حساب تقييد حاد للحريات السياسية والركود الثقافي. سيواجه الأوروبيون نفس التغييرات خلال العشرين عاماً قادمة. يعتبر كتابه "ماذا تفعل؟ الحياة مع تدهور أوروبا "هو انعكاس لتجاربه الشخصية أكثر من كونها مقالأ سياسياً. لماذا أراد أن يشارك هذه الأفكار؟

Разрушения внутри Собора Парижской богоматери

- فيغارو: كتابك، "ما العمل؟ الحياة مع تدهور أوروبا "هو انعكاس الخوالج  النفسية أكثر من كونها مقالاً سياسياً. لماذا تريد مشاركة هذه الأفكار؟

ديفيد إنجلز* - : "إن الوضع خطير للغاية: لم يختف النموذج السياسي والاقتصادي والاجتماعي فقط، ولكن كل ما كان يعرف ك"الغرب" منذ ألف عام. لم تكن هذه التطورات على الإطلاق بمثابة بعض الحوادث  البسيطة التي يمكن مشاهدتها وتركها على هواها ماضياً قدماً. يعتبر التراجع الهائل لأوروبا كحضارة مأساة تاريخية حقيقية تؤثر علينا جميعاً، ليس فقط ككل، ولكن أيضاً كفرد. أنا شخصياً أعاني معاناة كبيرة عند رؤيتي نهاية الحضارة الغربية التي أحبها من كل قلبي. أعلم أنني لم أكن بوحده في هذا، على الرغم من أن الكثير من المعاصرين لم يفهموا بعد خطورة هذه التغيرات أو يترددون في استخلاص الاستنتاجات المناسبة منها. بالنسبة إليهم، ألفت هذا الكتاب الذي أريد أن أشارككم فيه أفكاري حول كيف يمكننا، نحن الذين نحب الغرب وتاريخه وتراثه وتقاليده ، أن نبقى صادقين في معتقداتنا وننقلها إلى الأجيال القادمة في عالم ما بعد أوروبا.

-  تتذكر التشابه بين التدهور الحالي للعالم الغربي وتراجع العالم اليوناني الروماني، وهذا ما طرحته في أحد الكتب السابقة. ما هو أساس هذه المقارنة ؟

كما أظهر العديد من المؤرخين مثل أوسوالد شبينغيلر( (Oswald Spengler وأرنولد توينبي ((Arnold Toynbee، لم يكن تدهور الغرب بأي حال من الأحوال حادثاً عرضياً: فهو يعكس منطق التطور التاريخي الذي شهد صعود وسقوط العديد من الحضارات. حاولت في كتاب "الانحطاط"،  بالمناسبة، واللذي أعيد طبعه قبل بضعة أسابيع في شكل كتاب جيبي ومع مقدمة جديدة، أن أوضح كم تشبه الأزمة الحالية في أوروبا أزمة الجمهورية الرومانية في القرن الأول، والتي كانت تعاني من أزمات سياسية واقتصادية وديموغرافية وأخلاقية واجتماعية لم يسبق لها مثيل، وقد مزقتها الانتفاضات الداخلية التي تحولت إلى حروب أهلية حقيقية. ونتيجة لذلك، تحولت إلى دولة استبدادية، سمحت باستقرار الوضع على حساب تقييد حاد للحريات السياسية والركود الثقافي. أنا مقتنع أنه في العقدين القادمين، تنتظرنا نفس التغيرات، ويمكنني فقط حث القراء على الاستعداد لهذه الأحداث.

- أشرت إلى أن قلة قليلة فقط تتجاسرعلى نطق كلمة " الانحطاط ". لكن ألا تعتقد أن استخدامه في حد ذاته يمكن أن يؤثر على الموقف؟

كل هذا يشابه الطب: هل ترغب في أن يعالج الطبيب مرض السرطان عندك كأنه الزكام، خوفًا من التأثير النفسي للمرض؟ لذلك، أعتقد أن الصدق مع النفس يجب أن يكون أعلى فضيلة لأي حضارة تحترم نفسها. يبدو لي أن القمع المتعمد لحقائق العمليات الثقافية الحالية - سواء كانت الهجرة الجماعية أو شيخوخة السكان او الأسلمة أو الذكاء الاصطناعي أو انهيار الدول القومية أو التدمير الذاتي للنظام التعليمي أو التأخر الهائل لأوروبا عن الصين أو تحول الديمقراطية إلى التكنوقراطية تمثل بذاتها الخيانة العظمى مع عواقب متواصلة.

لأنه في الوقت الذي تتبين فيه الحقيقة، أي الطبيعة المتزايدة للتطورات لا رجعة منها  ستنهار الثقة لنظامنا السياسي والتضامن بين مختلف المجموعات الاجتماعية الثقافية التي تكون مجتمعنا. يمكن أن يساعدنا التحليل الصادق ورابط الجأس للوضع الحالي فقط في تحديد مجال المناورة (والذي يصبح أصغر) وإجراء الإصلاحات اللازمة لإنقاذ واستقرار ما تبقى من حضارتنا التي، بالمناسبة ، أشار ميشيل هوليبيك (Michel Houellebecq) إليها بدقة شديدةعندما كتب رأيه عن كتابي.

- يزعجك هذا الانحطاط الحضاري، على ما يبدو، أكثر من البيانات المقلقة حول الاحتباس الحراري ...

- كلا على الإطلاق. على الرغم من أنني أشك في البيانات عن الخطر المناخ، وبشكل خاص، فإن التأثير الإنساني في إطار هذه النظرية والاستخدام غير المحدود للموارد الطبيعية وتدمير تنوع الطبيعة وجمالها على جميع المستويات جزء لا يتجزأ من النحطاط الحضاري، كما كان، بالمناسبة، في نهاية الجمهورية الرومانية. لهذا السبب أنني مقتنع أنه من الضروري ألا نحارب الأعراض، بل، الأسباب الحقيقية: ليس عليك فقط تقليل ثاني أكسيد الكربون(СО2) والمواد الإشكالية الأخرى، ولكن أيضاً العمل على تعديل الإيديولوجية المادية والاستهلاكية والأنانية للعالم الحديث من أجل تحقيق توازن جديد مع الطبيعة. مع ذلك، لم يأت الخطر الحقيقي على البيئة من أوروبا التي حققت تقدماً هائلاً في هذا المجال، ولكن من آسيا ... بالمناسبة، ما زلت مندهشاً من المعايير المزدوجة للعديد من علماء البيئة: إنهم يدافعون عن نزعة "المحافظة" الراديكالية بشكل متزايد من الناحية البيئية. ولكن في الوقت نفسه أنها تعزز النزعة البناء التطرفية من الناحية الثقافية. يمكننا القول إن انقراض نوع من الضفادع بالنسبة للكثيرين هو أسوأ من انقراض الحضارة الأوروبية ... بالإضافة إلى ذلك، كتبت هذا الكتاب لجذب انتباه الجمهور إلى ثراء ثقافتنا وخطر تآكلها أو انقراضها النهائي.

الآن نتطرق للبريكزيت (Brexit). بصراحة، ما زلت غير متأكد من أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيحدث بالفعل، على الرغم من أن تعيين بوريس جونسون يمكن أن يغير الوضع. ومع ذلك، لا تخلط بين أوروبا والاتحاد الأوروبي: لقرون عديدة ، كان الغرب أكثر موحداً من الناحيتين السياسية والثقافية مما حالياً. لذلك، فإن اختفاء أو تحول الاتحاد الأوروبي على هذا النحو لن يعني انهيار أوروبا كحضارة. يأتي التدهور في المقام الأول من الداخل، وليس من الخارج. انهيار الأسر التقليدية والنسبية الثقافية والماسوشية التاريخية والصواب السياسي  والميل إلى حظر جميع الآراء المخالفة  واستبدال المجتمعات المتجانسة بمجموعات من الجماعات التي تعمل لمصلحتها الخاصة فقط، والاستقطاب الاجتماعي  والاستعاضة الساخرة عن الحقيقة المطلقة مع "حلول وسط" متفاوض عليها -كل هذه هي الأسباب الحقيقية لانهيار أوروبا. إن الأحداث السياسية التي نلاحظها اليوم وإمكانية  الاتحاد الأوروبي في أن يصبح حامياً رئيسياً لكل  طموحات البريطانيين التي ذكرناه أعلاه، وكذلك "الشعبويين" في جميع أنحاء أوروبا للتضحية بالوحدة الأوروبية من أجل إنقاذ هويتهم على الأقل - هي عواقب مؤسفة. لأن الإجابة الحقيقية مختلفة: لن يتمكن الغرب من إيقاف الانحطاط الحالي إلا إذا عاد إلى جذوره، وكذلك يحافظ على التضامن والوحدة. لسوء الحظ، لن يتم سماع هذه الرسالة إلا بعد فوات الأوان.

-  عموماً، يمكن اعتبار هذا الكتاب الصغير بمثابة دليل شخصي للبقاء. ولكن هل هناك أي وسيلة جماعية لمواجهة الاننحطاط الحتمي؟

- طبعاً هناك! بالمناسبة، أؤكد لعدة مرات أن هذه القيادة التافهة لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تكون بديلاً للنشاط السياسي الجماعي. على العكس من ذلك، يجب أن يكمل كل من الحياة النشطة(vita activa) والحياة التأملية (vita contemplativa) بعضهما البعض لتشكيل نواة مستقرة حقًا للمجتمع. ومع ذلك، عليك أن تفهم أن وضع أوروبا سيئ للغاية، وأنه حتى في أفضل الحالات، سيتغير كثيراً في مقارنة بأوروبا التي اعتدنا عليها. إذا كنا نريد حقاً الحفاظ على هويتنا أثناء الأزمات التي تواجهنا، فقد حان الوقت للتوقف عن نقل المسؤولية إلى العالم السياسي الذي لا يبالي إلى حد كبير أو حتى معادٍ للثقافة الأوروبية الحقيقية. ومن المستحيل التعامل معه باليساطة.

إننا نشعر الآن بشكل متزايد بالقوة الداخلية لـ "المجتمعات الموازية" التي تهيمن على مدننا الكبرى: إذا لم نتخذ تدابير فعالة لتعزيز هويتنا، فلن يكون لنا قريباً حق في "مجتمعنا الموازي" ... بقيت الأوقات التي كان يمكننا الاعتماد فيها على استقرار نظامنا السياسي والثقافي في الماضي. إذا أردنا حماية تراثنا، يجب خوض المعركة في اتجاهين. من ناحية، نحن بحاجة إلى تحويل كل شخص وكل أسرة وكل مجموعة من الناس إلى قلعة صغيرة من القيم والهويات المتماسكة. ومن ناحية أخرى، يجب علينا تطوير أيديولوجية سياسية جديدة تجمع بين المحافظة الثقافية والنضال من أجل أوروبا موحدة (ليست بالضرورة متطابقة مع الاتحاد الأوروبي). بالمناسبة، موضوع كتابي الأخير هو "تجديد أوروبا" والذي تم نشره قبل أسابيع قليلة باللغة الألمانية وسيتم ترجمته إلى الفرنسية والإنجليزية والبولندية والإيطالية والإسبانية في الأشهر المقبلة. إنها تتصرف كنوع من المطابقة لكتاب "ما العمل؟"

* ديفيد إنجلز، مؤرخ ومحاضر في المعهد الغربي في بولندا وجامعة بروكسل الحرة.

الترجمة من الروسية: د. ذاكر قاسموف

Le Figaro

 

 

ednews.net/ru

عند العثور على خطأ في النص يرجى الضغط على زر Ctrl+Enter وإرساله إلينا

یجب الاستناد بالارتباط التشعبي إلى Eurasia Diary في حالة استخدام الأخبار

تابعنا على الشبكات الاجتماعية:
Twitter: @EurasiaEreb
Facebook: EurasiaArab


Загрузка...