الولايات المتحدة فى مواجهة روسيا.. ما أشبه الليلة بالبارحة! - ednews.net

الاثنين، 23 مايو

(+994 50) 229-39-11

الولايات المتحدة فى مواجهة روسيا.. ما أشبه الليلة بالبارحة!

مقالات A- A A+
هل تشبه الليلة البارحة؟ كان هذا هو السؤال الذى تبادر إلى ذهنى وأنا أستعد لأكمل سلسلة "السياسة الدولية منذ القرن العشرين" بكتابة هذا المقال عن أزمة الصواريخ الباليستية السوفيتية فى كوبا والتى أشعلت النار بين المعسكرين الشرقى والغربى فى بداية ستينيات القرن الماضى، بينما تتشابه بعض الأحداث مع هذه الأزمة الآن وبعد مرور ٦٠ عاما على إثر غزو روسيا لأوكرانيا والتصعيد العسكرى النووى من الجانب الروسى!     
     التهديد الضمنى الذى يستخدمه بوتين الآن بإشعال حرب نووية ضد الغرب، كان العالم منذ ٦٠ عاما بالضبط فى مواجهة محتملة مماثلة لحرب نووية بين القوتين العظميين وقتها (الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى)، لكن هنا يكون السؤال، هل تنتهى أزمة غزو أوكرانيا على نفس النحو الذى انتهت به أزمة الصواريخ الكوبية فى ١٩٦٢؟    
     فبعد فشل الغزو الأمريكى لكوبا فى معركة خليج الخنازير كان الرئيس الجديد جون كينيدى فى أضعف وضع استراتيجى يمكن تخيله، وخاصة بعد أن فشلت محادثاته مع القائد السوفيتى خروتشوف فى فيينا وبعد أن تم بناء سور برلين ومنع الدبلوماسيين الغربيين من الوصول إلى برلين الشرقية بإجراءات سوفيتية من طرف واحد! حاول كينيدى تعويض ذلك الإخفاق عن طريق تمرير قانون فى الكونجرس يقضى بالسماح للقوات الأمريكية فى التدخل العسكرى فى دول الجوار حال وجود تهديد للأمن القومى، بل تبعه بمناورات عسكرية للجيش الأمريكى فى منطقة الكاريبى، وهو ما دفع الاتحاد السوفيتى وكوبا إلى التفكير فى ماهية الخطوة التالية لكينيدى!    
     كان فيديل كاسترو على يقين من أن الولايات المتحدة ستغزو كوبا بشكل كامل وأن إخفاقها فى خليج الخنازير لن يزيدها إلا إصرارا على القضاء على النظام الشيوعى فى كوبا، بينما كان الاتحاد السوفيتى يشعر بالضيق بسبب محاولات الولايات المتحدة فرض الهيمنة فى وسط وجنوب القارة الأمريكية وهو ما مهد لمباحثات مباشرة بين كاسترو وخروتشوف تم الاتفاق فيها على نشر صواريخ باليستية سوفيتية على الشواطئ الكوبية للدفاع عن كوبا ضد أى غزو أمريكى محتمل.    
      تختلف الروايات حول من صاحب فكرة نشر الصواريخ، هناك بعض المصادر تقول إنها جاءت كطلب مباشر من كاسترو إلى خروتشوف، بينما هناك مصادر أخرى ترجح أنها مبادرة سوفيتية خالصة خاصة فى ظل شعور السوفييت بالعجز عن مجاراة الولايات المتحدة فى نشر الصواريخ الباليستية وخصوصا بعد نشر الولايات المتحدة لهذا النوع من الصواريخ فى إيطاليا وتركيا، وأن كاسترو كان مترددا فى البداية فى قبولها كونه لا يريد أن يظهر وكأنه دمية فى أيدى السوفييت، لكن وأيا ما كانت الحقيقة، فالمؤكد أنه فى يوليو من عام ١٩٦٢ سافر وفد عسكرى سوفيتى إلى كوبا متخفيا فى شكل وفد زراعى، وقام بدراسة المواقع المحتملة لنشر الصواريخ وبعدها بدأت بالفعل عملية سرية لنقل الصواريخ وتركيبها على شواطئ كوبا.    
     تمتعت العملية بسرية كاملة لدرجة أن الوفود العسكرية التى سافرت لأداء المهمة تم إخبارهم أنهم متوجهون إلى منطقة جليدية مما استلزم اصطحابهم لأدوات الجليد ولكنهم حطوا فى النهاية على الشواطئ الكوبية! رأى الوفد العسكرى السوفيتى الذى سافر أولا فى مهمة استطلاع إلى كوبا أن أمر الصواريخ لن يتم اكتشافه كون أن شجر النخيل سيحجب رؤيته، كما أن تقدير القيادة السوفيتية هو أنه حتى لو تم اكتشاف أمر الصواريخ فإن الرئيس كينيدى لن يفعل شيئا حيال الأمر!    
     لكن تشير التقارير العسكرية الأمريكية، أن الأمر تم اكتشافه مبكرا، بعد أن زودت وحدات الاستطلاع الجوى فى فلوريدا القيادة العسكرية المركزية بتقارير عن «حركة مريبة» على شواطئ كوبا، مما استدعى إرسال طائرة استطلاع فى منتصف أكتوبر تمكنت حينها من الحصول على صور لبعض البنايات التى بدت عسكرية على الشواطئ الكوبية. ولكن ولمزيد من الدقة، تم إرسال طائرة استطلاع أخرى لتحلق هذه المرة على ارتفاع منخفض لتتأكد الشكوك! وتم إرسال تقرير عاجل للرئيس كينيدى عن صور الاستطلاع. وأنشئت محطة دائمة للاستطلاع فى فلوريدا أخذت فى تزويد الرئاسة الأمريكية بصور يومية عن دخول وخروج القوات السوفيتية إلى الشواطئ الكوبية، وهنا كانت فرصة كينيدى لرد أكثر حسما ليثبت جدارته فى الدفاع عن الأمن القومى الأمريكى!    
     شكل الرئيس الأمريكى مجموعة عمل تكونت من أعضاء مجلس الأمن القومى بالإضافة إلى بعض مستشارى الرئيس ومنهم النائب العام (شقيق الرئيس) روبرت كنيدى، وبعض القادة العسكريين، ووضعت لجنة العمل أمام الرئيس ثلاثة خيارات لاختيار واحد منها:    
      الخيار الأول هو توجيه ضربة نووية استباقية للاتحاد السوفيتى.   
      الخيار الثانى هو توجيه ضربة عسكرية لمواقع الصواريخ السوفيتية يعقبه غزو شامل لكوبا.   
      أما الخيار الثالث والأخير فهو قيام القوات الأمريكية بفرض منطقة عزل على الحدود البحرية الكوبية فى الأطلسى لضمان عدم وصول المزيد من الصواريخ السوفيتية إلى هناك!    
      وقع اختيار كينيدى على الخيار الثانى، ضربة عسكرية جوية لقواعد الصواريخ السوفيتية فى كوبا يعقبه غزو شامل، وتم إبلاغ القيادة العسكرية الأمريكية بالقرار فبدأت الأخيرة بالاستعداد فى الأسبوع الأخير من أكتوبر لتوجيه الضربة الجوية ثم الغزو، بل عاد الرئيس كينيدى إلى خطته القديمة، وقت غزوة خليج الخنازير، حيث بدأ فى إعداد حكومة مدنية كوبية لتخلف كاسترو!    
      لكن وبحسب التقارير العسكرية الأمريكية، فشقيق الرئيس أقنعه فى اللحظة الأخيرة بالعدول عن فكرة الغزو واللجوء إلى فرض منطقة العزل (الخيار الثالث). وبناء عليه قامت القوات الأمريكية بتنفيذ العزل البحرى وحصار الشواطئ الكوبية فى ٢٤ أكتوبر، وقبلها بيومين وجه الرئيس الأمريكى خطبة متلفزة هدد فيها الاتحاد السوفيتى بأن أى قذيفة ستطلق من كوبا سيتم اعتبارها هجوما وإعلانا للحرب من الجانب السوفيتى وهو ما سيلاقى ردا عسكريا حاسما!    
      أمام هذا الرد الحاسم غير المتوقع من الولايات المتحدة، يمكن رؤية حالة الاهتزاز التى تعرضت لها القيادة السوفيتية، ففى خلال خمسة أيام (بين ٢٢ و٢٧ أكتوبر) أرسلت القيادة السوفيتية ثلاث رسائل للرد على تهديد كينيدى ذات مضامين متباينة! فأول رسالة وصلت إلى البيت الأبيض فى ٢٣ أكتوبر تضمنت تهديدا للأمريكان بالرد العسكرى على منطقة العزل المفروضة واتهام الولايات المتحدة بنشر القيم الإمبريالية!، وبناء على هذه الرسالة تقدمت السفن السوفيتية الناقلة للصواريخ فى المحيط الأطلسى واقتربت بشدة من القوات الأمريكية المنفذة لمنطقة العزل، مما استدعى وضع الجيش الأمريكى فى حالة تأهب للرد وخاصة بعد أن اختفت إحدى طائرات الاستطلاع الأمريكية. ولكن فى ٢٦ أكتوبر جاءت رسالة ثانية من خروتشوف، بمحتوى مختلف تماما حيث أعلن القائد السوفيتى استعداده لتفكيك القواعد الصاروخية فى كوبا وإعادتها إلى الاتحاد السوفيتى مقابل تعهد الولايات المتحدة بعدم غزو كوبا وفك العزل! ولكن وبعد أقل من ٢٤ ساعة وقبل أن يرد البيت الأبيض على الرسالة الثانية، جاءت رسالة ثالثة وهذه المرة صعد خروتشوف من طلباته حيث اشترط لتفكيك الصواريخ من كوبا أن يقوم الأمريكان بتفكيك قواعد صواريخهم فى تركيا!    
      أمام هذا الارتباك السوفيتى قررت الإدارة الأمريكية اللجوء إلى حيلة دبلوماسية، حيث قام البيت الأبيض بالرد على الرسالة الثانية لا الثالثة بالإيجاب، بينما اجتمع روبرت كينيدى شقيق الرئيس بالسفير السوفيتى فى واشنطن وتعهد له بتنفيذ الشرط الموضوع فى الرسالة الثالثة (تفكيك قواعد الصواريخ الأمريكية فى تركيا). وهكذا قام السوفييت بالوقوع فى فخ المراوغة الأمريكية فقاموا بتفكيك قواعد صواريخهم فى كوبا وعادوا بها من حيث أتوا، بينما اكتفى الأمريكان بتنفيذ التعهد الرسمى ردا على الرسالة السوفيتية الثانية (عدم غزو كوبا وفك منطقة العزل) وتجاهلوا التعهد غير المكتوب الذى قدمه روبرت كينيدى إلى السفير السوفيتى ولم تقم أبدا بتفكيك قواعد صواريخها الباليستية فى تركيا، وهو ما جعل السوفييت يشتكون من خيانة الأمريكان للتعهد لكن دون طائل!   
     فهل تشهد الأزمة الحالية بين روسيا والولايات المتحدة مناورة مماثلة تحفظ لروسيا ماء وجهها وتحتفظ بأوكرانيا بعيدة عن الناتو مقابل الانسحاب من الأخيرة؟ ولو حدث هذا السيناريو المحتمل هل سيعد هذا نصرا لروسيا أم للولايات المتحدة؟ فى ١٩٦٢ انتصر الأمريكان بمراوغتهم، فمن يكون المنتصر فى ٢٠٢٢؟    
      ملحوظة: تم الاعتماد فى هذه المقالة على المعلومات الواردة فى أرشيف وزارة الدفاع الأمريكية عن تقرير كتبه إدوارد روسل بعنوان "أزمة الصواريخ الكوبية" ومنشور جزئيا على موقع وزارة الدفاع، الصفحات من ٣٣ حتى ٤١، مشفوعا بالصور الأصلية لطائرات الاستطلاع الأمريكية للقواعد السوفيتية فى كوبا.   
 
 
أحمد عبدربه  
مدرس النظم السياسية المقارنة بجامعة القاهرة وأستاذ مساعد زائرللعلاقات الدولية بجامعة دنفر.     
عن صحيفة الشروق  

عند العثور على خطأ في النص يرجى الضغط على زر Ctrl+Enter وإرساله إلينا

یجب الاستناد بالارتباط التشعبي إلى Eurasia Diary في حالة استخدام الأخبار

تابعنا على الشبكات الاجتماعية:
Twitter: @EurasiaEreb
Facebook: EurasiaArab
Telegram: @eurasia_diary


Загрузка...