الصين وأهمية تأسيس حلف عسكري جديد - ednews.net

الاثنين، 3 اكتوبر

(+994 50) 229-39-11

الصين وأهمية تأسيس حلف عسكري جديد

مقالات A- A A+
تدرك الولايات المتحدة أن الصين وروسيا يسعيان بكل جهد إلى حرمانها من مكانتها التي تتربع عليها كقطب منفرد فى نظام عالمي أحادى القطبية، حيث تريد روسيا استعادة مكانتها كقطب عالمي باعتبارها الوريث الشرعي للاتحاد السوفيتي الذي ظل يشغل هذه المكانة علي مدار أكثر من سبعين عاماً، وأن قدراتها الاقتصادية والعسكرية التي عملت علي إعادة تأهيلهما خلال السنوات الثلاثين الماضية منذ انهيار الاتحاد السوفيتي السابق، وتفكيك حلف وارسو، يجعل من روسيا قطب ثان أو ثالث هي أحق باستعادته. بينما أصبحت الصين قاب قوسين أو أدني من أن تكون قطب صاعد إلي واجهة القيادة العالمية، بفضل ما حققته من معدلات تنمية مرتفعة حلال العقد الثلاثة الماضية، وكذكل بفضل ما عملت علي بنائه من قدرات عسكرية هائلة، ومن ثم فإن إدراك الولايات المتحدة وشعورها المتزايد بأن مكانتها المنفردة كقطب عالمي وحيد يواجهها الكثير من التهديد، ربما لن يكون ذلك التهديد وجودي علي الأقل في المستقبل المنظور، أي بإزاحتها والجلوس مكانها، وإنما تهديد حدودي علي الأقل، أي مجاورة ومشاركة الولايات الولايات المتحدة في القيادة، وتغيير النظام الأحادي إلي نظام متعدد تتشارك فيه قوي أخري لصالح نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب لا تنفرد الولايات المتحدة بقيادته، وهذا ما لا تريده أمريكا ويثير قلقها وهلعها نتيجة تزايد وتنامي القدرات الاقتصادية والعسكرية للصين وروسيا.   
       في الوقت نفسه تري الدول الغربية أنه مع استمرار الضغوط والاستفزازات الأمريكية علي كل من روسيا والصين سوف يدفعهما للاتحاد معاً ضد الولايات المتحدة، ولكن في نفس الوقت الوقت تدرك الصين أنه في حالة انتصار روسيا واستعادت مكانتها كقطب ثان مع الولايات المتحدة، فربما لا تقبل روسيا مثل الولايات المتحدة أن يشاركهما قطب ثالث، ولذلك فإن الصين قد اتخذت الموقف الوسط حين وقفت علي الحياد من الحرب الأوكرانية، وذلك حتي لا تكون المباة بالعداء للولايات المتحدة، وحتي تحافظ علي مكاسبها التي تحققت طوال السنوات الماضية، وذلك لتحقيق أهدافها بالوصول إلي مكانة تستحقها عن جدارة واقتدار بحسب المعايير والمواصفات المطلوبة لمن يشغل موقع القيادة فى النظام الدولى، وخاصة أن روسيا في تلك الفترة هي في حاجة إلي حليف يشاركها العداء للولايات المتحدة والدول الغربية، ومن ثم فإن قبولها بالصين كقطب عالمي سيكون أمر مرحب به.  
      تشعر الولايات المتحدة أن نجمها في طريقه للأفول يوماً بعد يوم، وأن هناك نجوم آخري في طريقهم للصعود واحتلال مكانها في قمة القيادة الدولية، أو علي أقل تقدير مشاركتها في تلك القيادة والانتقال من عالم أحادي القطبية إلي عالم متعدد الأقطاب، وفي مقدمة هذه الدول بالطبع الصين وروسيا، لذلك تعمل الولايات المتحدة جاهدة علي استنزاف طاقاتهما، ومحاولة تعطيل مسيرتهما نحو تغيير هذا الوضع أحادي القطبية إلي عالم متعدد القطبية، ولذلك فقد سعت الولايات المتحدة إلي استدراج روسيا إلي حرب استنزاف في أوكرانيا، وعلي الرغم من أنها كانت تأمل في أن تتلقي روسيا هزيمة سريعة تجعلها تتراجع عن طموحاتها، بفضل حشد الدول الغربية خلف أوكرانيا.    
     تحاول الولايات المتحدة إلي جر الصين المنافس الأقوي علي القيادة العالمية إلي حرب استنزاف في تايوان علي غرار المستنقع الأوكراني بالنسبة لروسيا. وما هي الزيارات الاستفزاية لرئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي، وما تبعها من زيارة لوفد الكونجرس الأمريكي، ثم زيارة لوفد البرلمان الياباني للجزيرة إلا تسير في اتجاه الاستفزاز، وهذه الزيارات لن تكون آخر الاستفزازت، ولكنها البداية في محاولة استفزاز التنين الصيني للدخول في حرب داخل تايوان.  
      بالطبع فإن الولايات المتحدة سوف تستمر في تلك الممارسات الاستفزازية ضد خصومها، سواء بالنسبة لروسيا أو بالنسبة للصين، طالما أنها تخوض حروبها بالوكالة بعيداً عن أراضيها ودون أن يقتل جندي أمريكي واحد في ميادين هذه المعارك، بالإضافة إلي أنها تخوض حروبها ضد أعدائها كل علي حدة بشكل منفرد، فحتي الآن لم يحدث أي تنسيق أو تعاون أو تحالف فيما بين خصوم الولايات المتحدة في هذه الحروب، في نفس الوقت التي تقوم فيه الولايات المتحدة بحشد الدول الغربية لتمويل تلك الحروب وامداد خصومهما بالسلحة والعتاد الحرب حتي تظل نيران تلك الحروب مشتعلة، علي الرغم من الأضرار التي لحقت بالعديد من الدول الأوروبية جراء نقص امدادات الغاز الروسي إليها، وارتفاع اسعار المواد البترولية بشكل كبير انعكس علي مواطني هذه الدول التي أصبحت تضيق ذرعاً بسيايات حكوماتها ضد روسيا.   
      منذ انهيار الاتحاد السوفيتي السابق عام 1991، ومعه تفكك وزوال حلف وارسو، وانضمام أغلب أعضائه إلي حلف شمال الأطلنطي "ناتو"، وانفراد الويات المتحدة بزعامة العالم، أثبتت تجارب السنوات الماضية وعلي مدار ثلاثين عاماً، أن عالم القطب الواحد يسوده الكثير من الظلم وازدواجية المعايير، واختلال موازين العدالة الدولية والإقليمية، خاصة مع فشل الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة في تسويق نموذجها الليبرالي وأفكارها ومبادئها التي ظلت تنادي بها، فلم يستطع المعسكر الغربي اقناع العالم بمبادئ الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان التي تعاملت في تطبيقهم بازدواجية فجة، ظهرت جلياً خلال الحرب الروسية في أوكرانيا.   
       تباينت الدول الغربية بشكل عنصري في التعامل مع اللاجئين الذين تدفقوا علي أوروبا بعد التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا، فقد تعاملت مع اللاجئين الأوكران علي أنهم مواطنون أوروبيون من الدرجة الأولي، فرحبت بهم وفتحت أمامهم كل الأبواب، بينما تعاملت مع اللاجئين من دول الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا علي أنهم مواطنون من الدرجة الثانية، وأغلقت حدودها أمامهم. كذلك لم تقتنع شعوب الدول النامية بأن مفهوم الديمقراطية الذي يروج له الغرب هو نموذج عملي يحقق لهم الحياة الكريمة، بل هو شعار أجوف تستخدمه لتحقيق مصالها، خاصة عندما رأت هذه الشعوب مدي التعاون الوثيق للدول الغربية وعلي رأسهم الولايات المتحدة مع أنظمة ديكتاتورية مستبدة في كثير من دول العالم، خاصة في أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط، طالما كانت هذه الأنظمة القمعية تسير في فلكها وتحقق لها مصالحها، ولم تقف الدول الغربية إلي جانب الشعوب المقهورة.  
        علي الرغم من أن الصين كانت ومازالت تنتمي ايديولوجياً إلي الكتلة الشرقية، وشكلت أحد أهم أقطاب الشيوعية والنظام الاشتراكي في العالم، إلا أنها لم تنضم إلي حلف وارسو العسكري الذي كان يضم أغلب دول الكتلة الشرقية، وظلت علي الحياد العسكري، وبعيدة عن الاستقطاب العسكري الذي ساد طول سنوات الحرب الباردة بين حلفي وارسو والناتو. وقد يكون مفهوماً حسابات الصين في عدم انضمامها إلي حلف وارسو في ذلك، فقد كانت الصين بحسب المعايير الاقتصادية الدولية، تنتمي إلي منظومة الدول النامية، ولم يكن لديها من القوة الاقتصادية والعسكرية ما يخيف الآخرين منها، أو ما يجعلها هدفاً لأي عدوان خارجي من الدول الغربية أو من الناتو. أما اليوم فقد أصبحت هدفاً معادياً للولايات المتحدة، كما أصبح لدي الصين مصالح حيوية لابد من الدفاع عنها، خاصة مع زيادة الاستفزازات الأمريكية والغربية لها في تايوان، وكأنه تكرار للسيناريو الروسي في أوكرانيا. ولذلك فإن الصين في حاجة إلي أن تكون قائدة لحلف عسكري يضم معها الدول المعادية للولايات المتحدة والغرب بشكل عام.   
      هناك العديد من الدول التي أصابها الكثير ممارسات الاضطهاد الأمريكي والغربي ضدها، جراء العقوبات الواسعة والممتدة لعقود، وفي مقدمة هذه الدول إيران وكوريا الشمالية وفنزويلا وكوبا وسوريا وأفغانستان، وهذه الدول بطبيعة الحال سوف تكون أول الأعضاء المحتملين للإنضمام إلي ذلك الحلف العسكري الجديد تحت القيادة الصينية، إلي جانب روسيا بحكم العداء التاريخي والممتد بينها وبين الولايات المتحدة والدول الغربية.    
      بحكم الأمر الواقع اقتصادياً وعسكرياً، أصبحت الصين المنافس الأول للولايات المتحدة ومحورها الغربي علي الزعامة الدولية وقيادة العالم، وهذا ما جعل منها عدواً رئيسياً للولايات المتحدة، لذلك فستظل الاستفزازات الأمريكية مستمرة لها إما لجرها إلي حرب استنزاف داخل تايوان وبحر الصين الشمالي ومناطق أخري من العالم، أو علي أقل تقدير استنزاف قواها الاقتصادية والعسكرية، وتعطيل مسيرتها نحو مركز القيادة الدولية.   
     لا يعني تأسيس الصين لحلف عسكري يضم روسيا والدول التي هي في حالة عداء مع الدول الغربية بشكل عام والولايات المتحدة بشكل خاص مثل كوريا الشمالية وإيران وفنزويلا وغيرها من الدول، لا يعني ذلك أن الصين وأعضاء الحلف الجديد سيدخلون في مواجهة عسكرية مع حلف الناتو، بل سيشكل هذا الحلف قوة ردع وحائط صد أمام حالة فرط القوة التي تشعر بها، والتي نتج عنها تخبط في كل اتجاه من قبل الولايات المتحدة والدول الأعضاء في الناتو. فخلال سنوات الحرب الباردة لم يفكر أي من حلفي وارسو والناتو في شن حرب ضد الآخر، بل كان كل طرف يضع في حساباته موازين القوة التي سيواجهها من الطرف الآخر، وهذا ما جعل الحرب الباردة مستمرة دون وصولها إلي مستويات ساخنة حتي انهيار حلف وارسو، وانفراد الناتو بالزعامة العالمية.  
       تشعر الدول النامية في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، بوجود خلل كبير فى أداء المؤسسات الدولية، وهذا الخلل الذي صنعته الولايات المتحدة والدول الغربية في عمل هذه المؤسسات جاء من خلال سياسات غير عادلة وغير متوازنة ولديها الكثير من الإزدواجية في التعامل مع القضايا الدولية وخاصة الصراع العربي الإسرائيلي، حيث الانحياز الصارخ إلي جانب المحتل الإسرائيلي وعدم المبالاه بحقوق الفلسطينيين والعرب بشكل عام، إلي جانب الحروب التي شنتها الولايات المتحدة ودول الناتو علي العديد من الدول النامية دون أي سند قانوني ولم تتركها إلا بعد أن تركتها دولاً فاشلة يعاني سكانها الحروب والصراعات الداخلية والأمراض والفقر والجهل كما في أفغانستان والصومال والعراق وليبيا وسوريا، حيث انعكست أوضاع هذه البلاد علي العديد من دول الجوار. هذا إلي جانب ما تنتهجه الولايات المتحدة من الازدواجية في قضايا التنمية والتجارة الدولية والهجرة والمناخ وغيرها.   
     هذا الشعور المتنامي لدي الدول النامية بالظلم هو ما جعلها لا تقف إلي جانب الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين في الحرب الأوكرانية، فمن هذه الدول من وقف علي الحياد، ومنها ما كانت له الشجاعة الأكبر بالرفض العلني، وقد تجلي ذلك في زيارة الرئيس الأمريكي جو بايدن إلي المملكة العربية السعودية التي رفضت طلبه بزيارة انتاج النفط من أجل خفض الأسعار. لذلك فإن الدول النامية تنتظر فرصة إزاحة الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين من مركز القيادة الدولية الجائر، علي أمل وصول قوي أخري إلي مكان القيادة تقوم بتصحيح هذا الخلل البين في موازين العدالة الدولية ورفع الظلم الذي الواقع علي شعوب هذه الدول.    
 
      
د. أحمد عبده طرابيك  
باحث في شئون آسيا 
 
 


عند العثور على خطأ في النص يرجى الضغط على زر Ctrl+Enter وإرساله إلينا

یجب الاستناد بالارتباط التشعبي إلى Eurasia Diary في حالة استخدام الأخبار

تابعنا على الشبكات الاجتماعية:
Twitter: @EurasiaEreb
Facebook: EurasiaArab
Telegram: @eurasia_diary


Загрузка...