الأوزبك في مصر - ednews.net

الاثنين، 29 مايو

(+994 50) 229-39-11

الأوزبك في مصر

مقالات A- A A+
كان وما زال الدين الإسلامي هو الرابط القوي المتين الذي يربط بين شعبي مصر وأوزبكستان، فقد شكلت العقيدة الإسلامية هوية الشعبين الذين اندمجوا معاً تحت راية الإسلام، فجمعتهم لفترات طويلة دولة واحدة، ومن ثم أُتيحت مساحات واسعة للشعبين للتلاقي والاختلاط، وبشكل خاص عندما تحرك الأوزبك وبشكل كثيف تجاه مصر، فحدث التصاهر واختلاط الدماء بين الشعبين. وقد شكل عهد الدولة العباسية ذروة وصول الأوزبك إلي مصر جنوداً وقادة حتي صاروا حكاماً وأسسوا دولاً قوية تركت الكثير من الآثار والمعالم التي مازالت شاهدة علي تلك الفترة التاريخية المزدهرة في العلاقات بين الشعبين. 
 
كانت بداية الفتح الإسلامي لبلاد ما وراء النهر، والتي تعرف حالياً بآسيا الوسطي، في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب؛ وقد ارتبطت فتوحات تلك البلاد في تلك الفترة بالقائد الأحنف بن قيس التميمي، الذي طارد الملك الفارسي يزدجرد شرقًا حتى نهر جيحون "أموداريا". وفي عهد الخليفة عثمان بن عفان، دارت معركة بين الأحنف بن قيس من جهة وبين الأتراك الذين كانوا بطخارستان على حدود جيحون من ناحية أخرى، وانتهت بانتصار الأحنف وتوقيعه صلحاً مع أهل طخارستان. وأرسل الأحنفُ قائدَه الأقرعَ بن حابس؛ ليكمل فتح الجوزجان، وسار الأحنف بقوَّاته إلى خُوَارِزم، ثم عاد إلى بلخ قاعدة خراسان. وتوقَّفت الفتوحات الإسلاميَّة فترة ثم استُأْنِفَت مرَّة أخرى في عهد الخلافة الأُمويَّة. 
 
غزا عبد الله بن زياد خراسان عام 54هـ، وقطع نهر جيحون إلى بخارى، وفي عام 56هـ وَلِيَ خراسان سعيد بن عثمان بن العاص فغزا سمرقند، وفي عهد يزيد بن معاوية تولَّى مسلم بن زياد ابن أبيه إمارة خراسان؛ فتجدد الصراع مع الأتراك واتَّحدت جيوش بخارى والصُّغْد وقوَّات تركيَّة من تركستان، وحقَّقت الجيوش الإسلامية انتصاراً كبيراً. 
 
جاءت الفتوحات الحقيقيَّة ببلاد ما وراء النهر في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك، حيث اشتهر في عهده القائد قتيبةُ بن مسلم الباهلي، فتولَّى أمر خراسان عام 88هـ، وعَبَر نهر جيحون في المرحلة الأولى من جهاده، واستعاد منطقة طخارستان، ثم استعاد بخاري عام 89هـ، واستطاع أن يرفع راية الإسلام في حوض نهر جيحون عام في 93هـ، ومن ثم توجه إلي ولايات سيحون، واكتملت سيطرته علي أوزبكستان وطاجيكستان وغيرها من مناطق آسيا الوسطي عام 96هـ، وبنى أوَّل مسجد في بخارى عام 94هـ، وواصل مسيرته حتى فتح مدينة كَاشْغَر، وقارَب حدود الصين. 
 
بدأت منذ ذلك الوقت العلاقات بين آسيا الوسطي والشعوب العربية، وبين أوزبكستان ومصر بشكل خاص، فقد أصبحت مدن شاش "طشقند" وبخاري وخوارزم وسمرقند من أهم حواضر العالم الإسلامي، وباتت تضارع دمشق وبغداد وحلب والقاهرة، فخرج منها رموز العلم في مختلف فروع المعرفة، كان في مقدمته الإمام البخاري، والترمذي، والقفال الشاشي والزمخشري والخوارزمي وغيرهم ممن كان لهم اسهاماتهم العلمية التي ما تزال تشكل أسس العلوم والمعرفة في شتي مناحي العلوم. ثم جاء دور القادة الذين خرجوا من تلك البلاد ليقودوا جيوش المسلمين وينشروا الإسلام في بلاد لم تعرفه من قبل وخاصة عندم أسس السلطان بابور حفيد الأمير تيمور الدولة التيمورية في الهند. 
 
 يرجع وجود الأوزبك في مصر إلي قرون بعيدة ترتبط بدخول الإسلام إلي آسيا الوسطي، فعندما أصبحت أوزبكستان وبلاد ما وراء النهر جزءاً من الدولة الإسلامية، توافد إلي مصر العديد من الأوزبك، وقد سجل العالم أحمد بن كثير الفراغاني، وجود أول أثر تاريخي أوزبكي في مصر، والمتمثل في مقياس النيل، بمنيل الروضة بالقاهرة، والذي يرجع تاريخ بنائه إلي عام 248 هـ، في عهد الخليفة العباسي المتوكل علي الله، حيث شكل هذا المقياس أهمية اقتصادية كبيرة لمصر في ذلك العهد، فقد كان من خلال هذا المقياس يتم معرفة حجم كمية المياه المتوفرة للزراعة وارتفاع منسوبها، ومن ثم بناء الموازنة العامة للدولة وتحديد حجم اقتصاد البلاد، وفرض الضرائب، وتجهيز الجيوش، وتحديد حجم ونوعية المشروعات التي سيتم القيام بها، وصولاً لتحديد نوعية المحاصيل الزراعية التي يتم زراعتها. 
 
ترك الأوزبك الذين وفدوا إلي مصر الكثير من الآثار والمعالم التاريخية التي ما تزال شاهدة علي حضورهم ووجودهم في مصر، فما بين مقياس الذي يعد أول المعالم والآثار الإسلامية التي شيدها العالم أحمد الفراغاني الأوزبكي الأصل، إلي حي الأزبكية الذي وضع لبنته الأولي الأمير أوزبك اليوسفي، يقف شامخاً جامع أحمد بن طولون الفريد في عمارته حيث مئذنته الخارجية التي تعد فريدة في طرازها المعماري، وكذلك مشهد طباطبا، الذي يعد الأثر الوحيد الذي مازال باقياً من آثار الدولة الإخشيدية التي أسسها محمد بن طغج الإخشيد في مصر، هذا إلي جانب التراث المعماري والحضاري الكبير الذي تركته أسرة قلاوون الحاكمة في عهد الدولة المملوكية، وما زال قائماً شاهداً علي عظمة تلك الفترة التاريخية. 
   
شكلت الدولة الطولونية التي أسسها أحمد ابن طولون، والذي جاء من بخاري، مرحلة انتقال مهمة في التاريخ المصري، فقد وضعت نهاية مرحلة المركزية والتبعية للخلافة العباسية، وبداية ظهور ونمو الدولة المصرية بقوميتها وشعبها، التي تطورت حتى صارت دولة مستقلة ذات سيادة وفق النظم السياسية الحديثة، فقد رافق قيام الدولة الطولونية تطور بعيد المدى في تاريخ الشعب المصري، واستمر هذا التطور حتى أصبحت مصر أهم مراكز العالم الإسلامي لمدة قرنين من الزمان، عندما أُعلن عن قيام الخلافة العباسية في القاهرة على يد السلطان الظاهر بيبرس عام 659هـ/1261م. 
 
كان أحمد ابن طولون رجل دولة من طراز فريد بمقاييس العصر الحديث، فقد كان للشعب المصري مكانة خاصة في قلبه، حيث كان يضع نصب عينية الاعتماد على المصريين في تنفيذ خططه الإصلاحية، ولذلك فقد بذل كل ما في وسعه للنهوض بالبلاد من خلال ما حققه من انجازات خلال فترة حكمه التي ناهزت ستة عشر عاما، فامتدت يد الإصلاح إلي المجالات كافة؛ وتحسنت أحوال البلاد، وعم الخير والرخاء، وكان ذلك بداية عهد الازدهار في تاريخ الحضارة الإسلامية في مصر. 
 
شهدت مصر في عهد أحمد ابن طولون وضع نظم وتقاليد جديدة للبلاط الحاكم، حيث وضع نظام للدخول والخروج من القطائع عاصمة البلاد، فكان لكل فئة باب تدخل منه، مثل الباب الكبير الذي كان مخصصاً لدخول الأمير، وباب الميدان كان مخصصا لدخول كتائب الجيش الطولوني، ويخرج الأمراء للصلاة من باب خاص يسمى باب الصلاة، ولم تكن هذه الأبواب تفتح كلها إلا في يوم العيد. كما عمل ابن طولون علي تطوير أعمال الإدارة، فاهتم بالأضابير والجزازات والتقاييد، وكان حين يذهب إلى مكان يرافقه كاتب يدون كل ما يقوله أو يقال في حضرته، فإذا كان الليل خال بكاتبه وأصلح ما كتب ليحفظ ما دار من الكلام على حقيقته، ويرجع إليه عند الاقتضاء، وكان إذا أرسل رسوال برسالة ، طلب منه أن يعيد عليه، كما كان ما قاله له، فإن أحسن الإعادة أنفذه، وإن خالف في حرف استبدله. كما اهتم بتطوير ديوان الإنشاء الذي كان موجوداً قبله، لكنه كان قليل الأهمية. فاهتم بالكتابة الديوانية لتكون لمصر مراسلاتها الخاصة من استفتاح للرسائل بالدعاء بصالح الدنيا والآخرة، والبشارة بوفاء النيل، والبشارة بالركوب لفتح الخليج. وكان من وسائل إصلاحه في الجهاز الإداري أيضاً الاعتماد على الموظفين المصريين في المناصب الإدارية في الدولة، وتقديمهم على غيرهم. 
      جاءت الدولة الإخشيدية التي أسسها محمد ابن طغج الإخشيد، والذي جاء من وادي فرغانة الخصيب في أوزبكستان، لتشكل مرحلة جديدة في تاريخ العلاقات بين الشعبين المصري والأوزبكي، وعلي الرغم من عدم استمرار الدولة الإخشيدية لفترة طويلة شأنها في ذلك شأن الدولة الطولونية، إلا أنها وجهت الأنظار لأهمية مصر ودورها في العالم الإسلامي، وأنها جديرة لقيادة الأمة الإسلامية، وهو ما تحقق لا حقاً في عهد الدولة المملكوكية، التي اتسعت رقعتها لتشمل بلاد الشام والحجاز إلي جانب مصر، قادت خلالها جهاد العالم الإسلامي ضد الصليبيين والمغول. 
 
اتبع الإخشــيد نظــام سياســي محكــم ومــنظم تمثــل فــي الــوزراء والكتــاب وممثل الأمير في بغداد. كما وضع نظـم إداريـة محكمـة ودقيقـة تمثلـت فـي الـدواوين التـي أسـتطاع مـن خـلالها تنظـيم أمـورهم الإداريـة، وقد أولي البريد عناية خاصة لما له من أهمية في أوقـات السـلم والحـرب، وعمل علي تقسيم مصر من الناحية الإدارية. كما اتبع سياسـة ماليـة دقيقـة، اسـتطاع مـن خلالهـا جعـل مصـر تـنعم بوفره من الرخاء الاقتصادي.  
 
تمتعـت مصـر فـي عهـد الدولـة الإخشـيدية بجـيش قـوي مـنظم، متطـور فـي الأســاليب وآلات القتــال، وهو ما جعل الدولة الحمدانية تستنجد بالجيش المصري لنصرتهم ضد البيزنطيين. كما تطـورت البحريـة، وازدهـرت قواعـد مصر البحرية بالحركة التجارية، حيث تم تـوفير الأيـدي العاملـة والمـواد اللازمـة لهـذه الصـناعة ، وتـأمين دار صناعة السفن في مصر ضد أي خطر خارجي.  
 
شهدت مصر في عهد الدولة الإخشيدية نظـام قضـائي شـمل كـل مـن القضـاء وولاية المظالم والحسبة والشرطة. كما ازدهـرت الحيـاة الاقتصـادية فـي مصـر، حيث انتعشـت الزراعـة بعـد أن قـام الإخشـيديون برفــع الظلــم عــن المــزارعين، وتوفير كل ما يلزمهم من بذور وآلات وحيوانات، ودخلـت مصـر محاصـيل جديـدة لم تكن معروفة من قبل، كما تعددت وتنوعت المحاصيل الزراعية. انتعشـت صناعة النسيج والحصر وتميزت مصـر بازدهـار الصـناعات الغذائية. وبلغت حركة التجـارة الداخليـة والخارجيـة فـي مصـر أوج عظمتها.  
 
 غلب علي المجتمع المصري في عهد الدولة الإخشيدية طابع التدين. وتطورت العلــوم الإنســانية والعقـليــة، بســبب تشــجيع الأمــراء الإخشــيديين للحركة العلمية بكل السبل. وقد تمتعــت مصــر فــي عهــد الدولــة الإخشــيدية برخــاء اقتصــادي، وهو ما انعكـس ذلـك علـى الحيـاة العمرانيـة، فقـد كثـرت المنشـآت العمرانيـة المتنوعـة، بـالرغم مـن أن أغلبهـا قـد انـدثر. 
 
 استمر تواجد الأوزبك في سلم قيادة وحكم مصر بعد الدولتين الطولونية والإخشيدية، خلال عهد الدولة المملوكية، التي حكمت مصر ما يزيد عن قرنين من الزمان، تولي خلالها أسرة قلاوون التي جاءت من أوزبكستان حكم مصر ما يزيد عن نصف تلك الفترة، وعلي الرغم من أن سلاطين المماليك الذين سبقوا السلطان المنصور قلاوون، لم يتمكنوا من وضع أسس لتوريث السلطة لأبنائهم أو جعل الحكم وراثة في أسرهم علي غرار الدول الإسلامية السابقة كالدولة الأموية والعباسية والطولونية والإخشيدية، إلا أن السلطان قلاوون استطاع أن يجعل الحكم وراثة في أسرته وأبنائه وأحفاده ما يزيد عن قرن من الزمان، اي ما يزيد عن نصف فترة حكم الدولة المملوكية.  
 
 شهدت مصر في عهد السلطان الناصر بن قلاوون، نهضة حضارية وعمرانية كبيرة؛ فقد اهتم ببناء العمائر الفخمة، فشيد القصر الأبلق ومسجد القلعة، واهتم بإنشاء الميادين العظيمة مثل ميدان الناصر، وأقام خانقاه" للصوفية، وأنشأ البساتين الجميلة، ولا تزال تلك المنطقة من ضواحي القاهرة، تحمل اسم "الخانكة" حتى الآن نسبة إلي الخانقاه. وتعد مجموعة السلطان قلاوون في بين القصرين بالقاهرة، والتي تضم مسجداً ومدرسة وقبة وبيمارستان، من أهم نفئس العمارة المملوكية، حيث توصف قبة المنصور قلاوون بالمجموعة بأنها ثاني أجمل ضريح في العالم بعد تاج محل في الهند. 
 
 كما اهتمت أسرة قلاوون بشق الترع، وإقامة الجسور والقناطر، وإنشاء الخلجان؛ فحفر السلطان الناصر خليجاً امتد من القاهرة إلى سرياقوس مخترقاً أحياء القاهرة، وأقام عليه القناطر الكثيرة، مثل قناطر السباع، وأنشأ عدداً من البساتين منها بستان باب اللوق، كما أعاد حفر خليج الإسكندرية وتطهيره، ليستمر فيه الماء العذب طوال العام، وما زال هذا الخليج موجوداً حتى الآن، وهو ما يعرف باسم "ترعة المحمودية". 
     
 تشهد معركة "مرج الصفر" في 2 رمضان 702 هـ/ 20 أبريل 1302م، علي قوة الجيش المملوكي وعظمته بقيادة السلطان الناصر محمد بن قلاوون، حيث عمل ذلك النصر الكبير علي تحقيق الأمن والاستقرار الداخلي للبلاد، كما أعاد إلى الدولة هيبتها وقوتها، خاصة أمام الأعراب الذين دأبوا على الإغارة على المدن والقرى والقيام بعمليات السلب والنهب والقتل، دون أن يجدوا من يتصدى لهم. وفي نفس العام توج الناصر انتصاراته بهزيمته للصليبيين الذين كانوا قد استولوا على جزيرة "أرواد" أمام ساحل مدينة "طرابلس" وأخذوا يهددون منها سواحل الشام، فأرسل السلطان حملة بحرية إلى تلك الجزيرة، استطاعت أن تحقق نصراً عظيماً على الصليبين. 
 
شهدت الفترة التاريخية التي حكم خلالها الحكام والأمراء الذين جاءوا من أوزبكستان علي مدي تجذر العلاقات التي تربط بين شعبي مصر وأوزبكستان، فعلي الرغم من أن هؤلاء الحكام والقادة جاءوا من خارج الديار المصرية، إلا أن الشعب المصري لم ينظر إليهم نظرة الحاكم المستعمر مثلما فعل بعد ذلك مع المستعمرين الفرنسيين والبريطانيين، بل اعتبروهم من أبناء جلدتهم لما يربط بينهم أقوي الروابط المتمثلة في العقيدة الإسلامية، خاصة مع ما لمسوه من تضحية هؤلاء الحكام والقادة من أجل نصرة دين الله، والدفاع عن تراب ومقدسات المسلمين، إلي جانب تفانيهم في إدارة البلاد وتنميتها والحفاظ علي أمنها واستقرارها وازدهارها. 
 
 
أحمد عبده طرابيك 
باحث في شئون آسيا والعالم التركي 
 


عند العثور على خطأ في النص يرجى الضغط على زر Ctrl+Enter وإرساله إلينا

یجب الاستناد بالارتباط التشعبي إلى Eurasia Diary في حالة استخدام الأخبار

تابعنا على الشبكات الاجتماعية:
Twitter: @EurasiaEreb
Facebook: EurasiaArab
Telegram: @eurasia_diary


Загрузка...