العالم عند مفترق طرق

مقالات 10:00 16.05.2024

قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الأخير فى شأن القضية الفلسطينية أثار من جديد، بين ما أثار، مسألة بالغة الأهمية. إذ جاء القرار فى لحظة كثر فيها حديث خبراء العلاقات الدولية وبخاصة المهتم منهم بقضايا الشرق الأوسط عن المكانة المتراجعة للولايات المتحدة الأمريكية. لاحظنا أن فى جانبًا من هذا الحديث اختار المتحدثون تبرير التراجع فى المكانة، أو تفسيره، ضمن حالة أكثر شمولًا وعمقًا فى التفاعلات الجارية فى النظام الدولى، وهى ما صار يعرف بمزاج الانعزال لدى عدد متزايد من الدول الأعضاء فى النظام أو/ وبموجة الدول الواقعة تحت عقوبة العزل والإبعاد عن فعاليات النظام بسبب الخروج أو الزعم بالخروج على القواعد المعمول بها.

     حال الدول فى النظام الدولى كحال الأفراد فى النظام السياسى لكل دولة على حدة. لاحظنا حتى تأكدنا من حقيقة أن نسبة متزايدة من الأفراد صاروا يتعرضون لحال الانعزال أو حال العزل وما يستتبعهما من شعور بالوحدة، وفى أحوال قصوى، بالرغبة أو الميل للانتحار. أهتم بمتابعة الظاهرة، وهى ليست جديدة أو طارئة على كل حال، باحثون ومفكرون فى أنحاء كثيرة وتخصصات عديدة، من بينها علم النفس اهتموا بها. خرج هؤلاء علينا بأفكار مهمة يمكننى تلخيص بعضها فيما يلى:

      أولًا: تشهد معظم الدول فى العقود الأخيرة زيادات مطردة فى عدد سكانها. ازدحمت الطرق والمدارس ومواقع العمل ووسائل المواصلات. هذه الزيادات تسببت فى ضغوط شتى على حرية الحركة والتنقل وصعوبات فى خدمات التعليم والصحة وتضييق فى مساحات العمل والرفاهة، تسببت بالتالى فى ضيق بل فى أزمات نفسية حادة. كتب أحد الفلاسفة فى وصف هذه الحالة قائلًا: إنها أشبه ما تكون بحال «الانسحاب العظيم» للفرد العادى من المجتمع الذى يعيش فيه.

     ثانيًا: شملت الزيادة قطاعًا مهمًا من السكان، وهم كبار السن. هؤلاء بطبيعتهم انعزاليون بالمزاج أو بالفرض المجتمعى. هؤلاء يضجون من الضجة والصخب المحيط بهم من كل مكان فيختارون، أو هم يجبرون على اختيار، الانعزال. هنا يتولد عند نسبة غير قليلة شعور بالوحدة ناتج عن حياة العزلة أو الانعزال، أى عن انفرادية التفاعل إن صح التعبير. الانفرادية تستبعد بحكم التعريف المشاركة وتعتمد درجة أعلى من الاستقلالية أو وهو الأهم وربما الأخطر درجة عالية من «النفسنة» ومن حب الذات أو تقديسها وربما درجة لا بأس بها من شعور بالعظمة المبالغ فيها أو باليأس الذى عادة ما يصيب المحبوس فى سجن انفرادى.

      ثالثًا: تفاقمت مشكلة الانفرادية وعلامات وتصرفات ناتجة عن الشعور بالوحدة بين سكان دول تعرضت مؤخرًا لأوبئة، مثل الكورونا أو لكوارث طبيعية. لاحظنا هذه الحالة فى مصر، حيث وقع ميل واسع من جانب المواطنين لتجنب المشاركة فى المناسبات الاجتماعية بل وفى حالات كثيرة امتنع كثيرون عن الذهاب لأعمالهم وزادت نسبة من فضلوا، إن سمحت ظروف العمل، أداء مهامهم من منازلهم. لوحظ فى الوقت نفسه تغيير فى السلوكيات والعلاقات نتيجة الشعور المتزايد بالوحدة وبغيرها من سلبيات الانفرادية فى السلوك والتفاعلات مع الغير وبخاصة مع السلطة وممثليها.

      رابعًا: لا جدال أنه فى غياب التعددية السياسية والأحزاب والنقابات وأجهزة التواصل الإعلامى وحريات التعبير والتنقل يزداد ميل الإنسان للتقوقع والانفراد فى التصرف، وبالتالى يتفاقم شعوره بالوحدة ومعه الرغبة فى الاختفاء أو عدم المشاركة وفى النهاية يغلب اليأس والإحباط فالانزواء. هذا فى حد ذاته تهديد مستتر للاستقرار، فالإنسان المشارك فضلا عن أنه أداة بقاء ورقى الدولة، هو أيضا الهدف الذى من أجله قامت وتبقى.

      صدق الأولون من علماء السياسة عندما رفضوا الفصل المطلق بين الداخل والخارج فى دراسة علوم السياسة. توقفت طويلًا أمام العناصر التى تتسبب فى صنع الإنسان، ولا أقول المواطن، الذى يختار الانعزال أو يرضى بالعزلة المفروضة عليه. رحت أقارنها بالعناصر التى تتسبب فى صنع الدولة التى تختار الانعزال أو تلك التى ترضى بعزلة تفرض عليها. رحت أراجع وأتذكر وأقارن.

      سويسرا مثلًا اختارت الانعزال وأسمته حيادًا. فى قارة تشهد من عشرات العقود حروبًا لا تتوقف، أهلكت فى طريقها امبراطوريات ودمرت مئات المدن، وأطلقت العنان لهجرات وهجرات مضادة.

      أحدهم سألنى إن كنت أعتبر الولايات المتحدة فى وضعها الراهن ومع استمرار حرب إسرائيل وأمريكا ضد الشعب الفلسطينى وبخاصة حرب الإبادة التى تشنها إسرائيل بخاصة ضد شعب غزة، أعتبرها دولة فى حال انعزال. واستطرد فى السؤال، أو أضاف سؤالًا إلى سؤال، قال فإن اعتبرتها فى حال عزل أو انعزال فهل لاحظت على سلوكها تغييرًا، وبدقة أشد ألست شاهدًا مثلى على دولة عظمى تتصرف تصرفات دولة تشعر بالوحدة، وهى عضو فى نظام دولى غاص بالأمم بل هى وبالاسم ما تزال تحمل صفة القائد أو المهيمن فى هذه الجماعة؟ ألم تنتبه إليها وبعض تصرفاتها تعبر عن حالة إحباط؟ ألا تراها كما أراها دولة عظمى محبطة؟.

      يردد خبراء السياسة الدولية ما يعتقدون أنه صار من قواعد الفهم للسلوك السياسى للدول، كما فى السلوك السياسى للأفراد داخل كل دولة، أن أمورا ثلاثة تتسبب واحدة منها على الأقل فى إثارة الرغبة فى الانعزال عن الجماعة، وهى الحالة التى يصاحبها الشعور بالوحدة وتصرفات تعكس حالة مزيج من المشاعر والطموحات المحبطة. أما هذه القواعد فمنها: (1) خروج القوة الأعظم المهيمنة على قواعد النظام الدولى، وأكثرها من صنع هذه الدولة القائد نفسها، وتمرد دول متزايدة العدد. (2) المبالغة فى ممارسة الهيمنة تحت عنوان قيادة النظام الدولى. (3) الشكوك المتزايدة لدى عدد كبير من الدول فى نجاعة النظام الدولى القائم وبخاصة قدرته على تحقيق الاستقرار والأمن الدوليين. لا يفوتنى فى هذا الصدد أن ألفت النظر إلى مدى انطباق قواعد الفهم هذه على سلوك الدول الأعضاء فى النظام الإقليمى كما الدولى.

      كثيرة هى النماذج فى التاريخ المعاصر التى تستحق العودة لدراسة نهج سياساتها الخارجية، والداخلية، خلال انعزالها أو عزلها. كوبا كانت ولا تزال نموذجًا لحال دولة صغيرة فرض عليها العزل. الصين الشعبية مارست هذا الدور لعقود قبل أن تقرر الولايات المتحدة حاجتها لوجودها قطبًا مشاركًا. كوريا الشمالية نموذج فريد لرد فعل دولة صغيرة تعرضت للعزل من جانب القوة الأعظم فتحولت إلى قوة حشد شامل غير مسبوق وتهديد كامن لأمن النظام الدولى. إسرائيل نموذج آخر فريد. عاشت لفترة غير قصيرة تحت قرار إقليمى بالعزل تجاوزته بشن حرب شبه دائمة على الإقليم الذى فرض عليها العزل وبالاندماج العضوى فى النظام السياسى للدولة الأعظم. تايوان تقف برد فعلها أيضا فريدة. فضلت أن تستمر أداة فى صراع القمة الدولية واثقة من أن مصير عزلتها مقترن بظروف تفرض عليها عودتها جزءًا من الوطن الأم. سمعت صديقًا فى الصين يصف حالة تايوان، فورموزا سابقًا، بحالة دولة تعيش على فائض الزمن. عشت دهرًا أحاول فهم ما قصد.

      لكل من هذه الدول- النماذج سيرة حياة. كل منها اختط لنفسه سياسة خارجية تناسب ظروف العزل أو الانعزال وتتلاءم مع هدف التخلص من هذا الوضع أو الاستفادة منه. كل منها عانى من ضغط إحباط أو خيبة أمل وانقسامات داخلية. كل منها عاش مراحل ارتباك وتردد وقلة ثقة فى الآخر عدوًا كان أم صديقًا.

      أمامنا، وبالتحديد فى مقدم النظام الدولى الذى نعيش فى جنباته، دولة عظمى ارتكبت من السياسات والممارسات ما جلب عليها بوادر عزلة داخل نظام دولى هى صانعته وقائده. جلب أيضًا بالتبعية داخل قطاع مهم من نخبتها رغبة متنامية فى الانعزال وسلوكيات أفراد وأجيال تستحق منا المتابعة والانتباه.

      الأمر جد خطير وكذلك الوضع والظرف، فالدولة القائد، بقوتها الجبارة وأثناء لحظات ارتباك وسيولة ومعايير مزدوجة وشباب منفعل بالغضب أو عدم الرضا، تشارك فى دعم حرب إبادة كبيرة تقرر شنها ضد شعب فلسطينى أعزل، تشارك أيضًا فى دعم حروب استعمار صغيرة فى دول عربية وإفريقية متزايدة العدد. الدولة صانعة القواعد الأخلاقية للنظام الدولى صارت بشكل من الأشكال متهمة بخرق هذه القواعد. الدولة المكلفة بحفظ الأمن والسلم الدوليين هى الآن متهمة بأنها تنشر الفوضى وتثير الشغب. الدولة الأمل صارت، فى اعتقاد شعوب العالم، مصدرًا للألم.

جميل مطر

كاتب ومحلل سياسي

 

 

خطاب الرئيس الهام علييف في مصر

أحدث الأخبار

هواوي: إنجازاتنا في 10 سنوات توازي 30 عاماً من التقدم الأوروبي والأمريكي
18:00 21.06.2024
الصحة العالمية: ارتفاع الحرارة في غزة قد يفاقم الأزمة الصحية
17:00 21.06.2024
تونس: مقتل جندي وإصابة آخر بسقوط مروحية وتحطمها
16:15 21.06.2024
بوتين: مستعدون للتفاوض لإنهاء الأزمة الاوكرانية
15:53 21.06.2024
في يوم اللاجئ العالمي: الفلسطينيون يعيشون كلاجئين في وطنهم
15:09 21.06.2024
طاجيكستان.. 35 قانونا لحماية الثقافة الوطنية منها ما يمنع ارتداء الحجاب
15:00 21.06.2024
منظمة الصحة العالمية تحذر من أدوية مغشوشة لمرض السكري
14:00 21.06.2024
السعودية تبدأ استقبال المعتمرين
13:30 21.06.2024
هل يجهز بوتين أليكسي ديومين لخلافته بعد تركه الرئاسة؟
13:00 21.06.2024
مقابر دارفور تتضاعف... والموت يتربص بالجوعى
12:45 21.06.2024
بلينكن يدعو أرمينيا وأذربيجان إلي توقيع اتفاقية السلام
12:30 21.06.2024
أرمينيا تعلن اعترافها بدولة فلسطين
أرمينيا تعلن اعترافها بدولة فلسطين
12:15 21.06.2024
فرنسا ترقص على فوهة بركان بسبب الفوضى السياسية والعجز في الموازنة
12:00 21.06.2024
لماذا يزداد العداء الفرنسي لأذربيجان؟ خبير سياسي يجيب
11:43 21.06.2024
رئيس رومانيا ينسحب من المنافسة على منصب الأمين العام للناتو
11:30 21.06.2024
روسيا تدرس تعديل عقيدتها النووية
11:15 21.06.2024
بوتين في فيتنام... تنسيق لمواجهة تحديات قديمة وجديدة
11:00 21.06.2024
إيران الانتخابات تكشف تبايناً حول الاتفاق النووي
10:45 21.06.2024
القاهرة تدعو للتعامل مع قضايا اللجوء من منظور إنساني وتنموي
10:30 21.06.2024
السودان يشهد إحدى أسوأ الأزمات التي عرفها العالم
10:15 21.06.2024
الرئيس القبرصي يرد على تحذيرات حسن نصرالله
10:00 21.06.2024
الاستثمار الأجنبي المباشر العالمي انخفض إلى 1.3 تريليون دولار في 2023
09:45 21.06.2024
يوم المصارف المركزية... صراع بين كبح التضخم ودعم النمو
09:30 21.06.2024
تركيا منزعجة لتوقيع البطريركية اليونانية على بيان مؤتمر أوكرانيا في سويسرا
09:15 21.06.2024
إصابة مدني في انفجار لغم في قراباغ
09:00 21.06.2024
نشاط بسيط يخفض آلام الظهر بمقدار الضعف
18:00 20.06.2024
العراق يكثف ضرباته ضد خلايا «داعش»
17:30 20.06.2024
هايدي كون: الإعلان عن الفائز بجائزة نوبل في باكو قرار صائب
17:23 20.06.2024
الاتحاد الأوروبي يفرض حزمة جديدة من العقوبات على روسيا
17:00 20.06.2024
سيؤول: ندرس إرسال أسلحة لأوكرانيا
16:30 20.06.2024
بوتين: الشراكة مع فيتنام من أولوياتنا
16:13 20.06.2024
رئيس جنوب أفريقيا رامافوزا يؤدي اليمين الدستورية لولاية ثانية
16:00 20.06.2024
توتور» اليونانية تغرق ومصير مماثل يهدد فيربينا الأوكرانية
15:30 20.06.2024
بوتين وكيم يوقّعان اتفاق شراكة استراتيجية
15:00 20.06.2024
أمازون تعلن عن استثمار نحو 11 مليار دولار في ألمانيا
14:30 20.06.2024
العرب إلى أين؟ أسئلة فى النظرية
14:00 20.06.2024
خبير سياسي: أمريكا تسعي إلي تغيير الواقع الجيوسياسي الجديد القائم في القوقاز
13:43 20.06.2024
خبير سياسي أرميني: يجب احلال السلام مع أذربيجان
13:30 20.06.2024
أومود ميرزايف: فرنسا تعرقل المشاريع الاقتصادية في القوقاز للحفاظ على مصالحها بالمنطقة
12:39 20.06.2024
العفو الدولية تتهم مصر باعتقال وترحيل لاجئين سودانيين بطريقة غير قانونية
12:00 20.06.2024
جميع الأخبار